قائمة الجوال

 
التسجيل 

قم بالتسجيل الان فى المنتدى

 
البحث المتقدم  

البحث فى المنتدى

 
التعليمات 

اطلع على تعليمات المنتدى

 
مشاركات اليوم 

المشاركات االجديدة فى المنتدى

 
اتصل بنا 

ساهم فى تطوير المنتدى

مرحبا بك

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمـــات، بالضغط هنا. كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه.


العودة   شعراء عنيزة > شعــــراء الفصحــــــى > عبدالله بن حمد السناني


عبدالله بن حمد السناني

العودة شعراء عنيزة > شعــــراء الفصحــــــى > عبدالله بن حمد السناني تحديث الصفحة الجزء الثاني من السيرة الأدبية لأمير الشعر المعاصر الجد عبد الله الحمد السناني


إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2009, 06:57 PM   [1]
عضو جديد


 





عضو جديد


 






*مكانته وشعره : مع أن الوالد رحمه الله لم يعط الاهتمام الذي يليق به بين أبناء بلدته إلا أنهم كانوا يلجأون إليه في غالب المناسبات ليكتب الشعر باسمهم بين يدي الضيوف كقصيدته التي لا زلت أتذكر صداها إلى اليوم بمسامعــي في اجتماع أهالي القصيم في المليداء لما قدم الملك فيصل رحمه الله للمنطقة في أول عقد التسعينات والتي ألقاها الأستاذ إبراهيم السويل. والوالد رحمه الله كان من المعجبين أشد الأعجاب بالملك فيصل ، ولمعرفتي بذلك لمّا سمعت بخبر مقتل الملك رحمه الله دخلت على الوالد رحمه الله في قيلولته ، وهو وقت لا يجرؤ أحد منا أن يفعله ولم يتكرر مثله لهيبته رحمه الله ، فأيقظته بشجاعة وأخبرته بالحدث فقام فزعاً كأن القيامة قد قامت ، ورثاه رحمه الله بقصيدة طويلة كان منها:

يا فقيــداً قد مـات كيف يشـــاء * ميتة يستطيبهــا العظمـــــــاء
رابع الراشـدين والقتـــل فيكـم * سنة أنكــــم بــــه شهـــــــداء
صبغ الحزن كل شيء على الأر * ض فألقت ألوانها الأشيـــــــاء
أي خطب! هل القيـامة قامـــت * أم تصـــدى للعالمين الشقـاء
مـادت الأرض يوم موتـك هــولاً * وأجلتــــك واكفهـــر الفضـــــاء
حتى قال رحمه الله :
أوفـــــــاة وأمــــتي تتلظـــــــى * وبــــلادي يدوسهـــا الأدعيــــــــــاء ؟
أوفاة وساعة الصفر حـــــــــرف * بيـــــن كفيـــــــك كلهــــا إصغـــــاء ؟
أوفاة وبالسيف قد حرم الغمــــــ*ـــــــــــــد ولم ترم سرجها الشقــراء
وفلسطيننـــا الأخيذة عـــــــرى * تطلـــــب الأرجــوان وهو الكســـــاء؟
أوفــــاة ولامـــة الحــرب ثـــــوب * لبستــــــــه جيوشــــــــــنا السمراء
لا اعتراض على المقــادير إنـــــا * أمــــة لم يمــــت لديــهـــا الرجـــــاء

* ومثل ذلك حين طلبوا من الوالد رحمه الله أن ينظم قصيدة للترحيب بالملك خالد رحمه الله حين قدم لعنيزة بتأريخ 22/2/1401هـ ، فنظم قصيدته التي ألقاها الأستاذ أحمد الدبيان في الاحتفال الذي كان في موقع سوق الخضار اليوم ، فمما قال فيها بعد ذكر تطلع أهل القصيم لمشاريع النماء في عهده :

هنا تتلقى أمة أمـــــر ذاتهــــا * وسيــــــــــــدها ندّ لديه مسودهــا
ومنهجها القرآن والله ربهـــــا * على العدل والتوحيد رفعت بنودها
فرايتها تسمو على كل رايــة * ويعلو على كل النشيد نشيــــــدها
ولن تتوانى لانتخاب رئاســـة * فليست تبالي أي رأس يسودهــــا
لسوف يعود الحق يوما لأهله * وتفلت أولى القبلتين يهودهــــــــــا
وما مات حق تقتضيه قضيــة * إذا لم يقف عند الصعاب صمودهــــا
حتى قال :
أبا بندر هذا لسان عنيــــــــــــــــزة * يروم بياني حاله لو يجيـــــــــــــدهــا
فعفوا إذا حدّ المقام بلاغـــــــــــــة * وقصّر عن شأو القوافي لبيدهـــــــــا
جهرت بما تقضي الحقيقة منشدًا * وما أطمعتني حُظوة أستفيدهـــــــــا
ولولا اعتباري أن يقال مبالــــــــــغ * لأطنبت فيما فيه غم حســـــــــــودها
ومما يذكر هنا لمناسبة قوله رحمه الله : "وما أطمعتني حُظوة أستفيدها" تصديق قوله فعله أنه لما أرسل له مبلغ مالي آنذاك من وزارة الإعلام مقابل القصيدة عن طريق مذيع تلفزيون القصيم آنذاك حمد الزنيدي رفض قبولها وردها ، وقال : لم أكتب لذلك.
* إن كل من عرف الوالد رحمه الله وقرأ له أقر له بالريادة في الشعر مع أنه رحمه الله لم يدرس النحو والعروض والأدب كدراسة المتخصصين ، وإنما كان أدبه عن موهبة واطلاع ، ولذلك لما كتب الأستاذ عبد الله بن إدريس كتابه "شعراء نجد المعاصرون" ذكر الوالد رحمه الله ضمن من ترجم لهم ، مع أن الوالد رحمه الله آنذاك كان دون الثلاثين من عمره ، فالطبعة الأولى للكتاب صدرت عام (1380هـ) قبل ولادتي بثلاث سنوات ، ومع ذلك فقد قال عنه مؤلفه ابن إدريس : "شاعر جيد إلا أنه مقل ، وتعوزه الأجواء الملونة ، ومع ذلك فإن القارئ سيجد في مختاراتنا لهــــذا الشـاعر كثيراً من النفثات الدافئة ، واللفتات التصويرية الحلوة".
* وقد أنصفه من أهل بلده فضلاء مؤرخيها فعرفوا مكانته الأدبية والشعرية الفذة التي تكاملت مع سمو شخصيته ـ وإنما يعرف الفضل لذي الفضل أهل الفضل ـ فترجموا للوالد رحمه الله في مؤلفاتهم التي كتبوها عن علماء الشريعة على غير عادة منهم ، فترجم له الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام عضو هيئة كبار العلماء رحمه الله في كتابـه "علماء نجد في ثمانية قرون (2/88) وقال عنه : "فصار من كبار شعراء نجد المعاصرين ، وكان اطلاعه وإدراكه من كثرة قراءته وملازمته الكتــب المفيـــدة في القراءة الحرة ، وزاول المترجم مهنة التدريس فصار محبوباً من زملائه ومن تلاميذه لحسن أخلاقه وكمال سلوكــــه وطيب حديثه ، ولـــــه قصائد جيـاد ، وكتابـــات بليغة ... والمترجم من المواطنين المخلصين المحبين لوطنه ، ولكنها وطنية تمثل عقله الكبير وتفكيره البعيد ، فلا طيش ولا خفة"أ.هـ. وكذا ترجمه له العم الشيخ محمد بن عثمان القاضي في كتابه "روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين" ، فقال في آخر ترجمته بعد وصفه بالزميل والأديب البارع والشاعر المنطيق : "هو طويل القامة أسمر اللون على وجهه سيما الهيبة والوقار ، له نكت حسان مرِحاً لا يمل مجلسه ، وكان خطاطاً فائقاً في حسنه للخط والوضوح تختاره على الطباعة ، وشاعراً بارعاً لا يجارى ، تـــرجم لـــــه عبد الله بن إدريس ، وكان إماماً في الأدب والشعر عربيّه ونبطيه"أ.هـ
* بل إن أحد الأدباء النقاد ممن عاش ردحاً من الزمن في عنيزة وعايش كبار شعرائها وأدبائها وهو أستاذ الأدب في جامعة الملك سعود سابقاً الأستاذ الدكتور عبدالكريم محمد الأسعد كتب مقالاً ذكر فيه كبار أدباء عنيزة وشعرائها دون ذكر الوالد رحمه الله ، فلما كان في العدد (12667) بتأريخ 18 جمادى الأول 1428 كتب معتذراً بأن الهرم والمرض تسقط معه التكاليف ثم قال : "لقد كان هذا شأني في مقالي الأول (حديث الذكريات) بصحيفة (الجزيرة) الغراء في 24-5-2007م عن أدباء المدينة السامقة عنيزة الفيحاء وعن شعرائها، فقد نسيت - وجل من لا يسهو - أن أتحدث فيه إلى جانب من تحدثت عنهم عمن أسميه بدون مبالغة أمير الشعر المعاصر الجميل الذي رحــل عن دنيانا قبــل أن ينال ما يستحقه من التنويه ، ومن الثناء والمديح ، ومن دراسة شعره المليح ، الشاعر الألمعي المغلق عبدالله الحمد السناني ، رحمه الله ، لم يُقدَّر للشاعر مع الأسف أن يخلِّف لنا ديواناً مطبوعاً واحداً على الأقل من شعره الكثير الممتاز ، واكتفى بما نشره من القصائد إبان حياته بين الفينة والأخرى في الصحف والمجلات السيارة مما كان في حينه محل الإعجاب ، ومناط الإطراء ، من النقاد والقراء ، على حد سواء"أ.هـ. ثم ذكر الشاعر القدير إبراهيم المحمد الدامغ.
* لقد كان الوالد رحمه الله مربياً لجيلٍ من الأدباء والشعراء ممن درسهم وزاملهم وهم الآن ملء السمع والبصر ، فهذا الشاعر الكبير الأستاذ صالح الأحمد العثيمين حين كتب قصيدة للوالد رحمه الله يهنئه بالعيد ــ سيأتي ذكرهاــ قـــال في افتتاحها : "إلى الذي تعلمنا منه كيف تولد الحروف ، وتضــيء الكلمات ، وكيف تجود المواسم والفصول : الخال الكريم أبو سامي". وهذا الشاعر الكبير المتواري الأستاذ عبد الرحمن المساعد المنير يقول في رثاء الوالد رحمه الله :
إليك انتهى سحر القوافي طبيعــــــة * يتيـه على الروض القشيب قشيبها
لينهزم الحرف الكثيف ضبابـــــــــــــــه * ويبقى لنجـــد شيخهـا وأديبهـــــــــا
ذوى القول من بعد السناني وأقفرت * مجامــــــع فيهـا قيسهـا وحبيبهــــــا
أيا شاعري قومي تناسوك جفـــــــوة * أم الخطـــــب نــــار لا يطـاق ركوبهــا
إذا كان فضل المرء ينسى بموتــــــــه * فلا حملــــت أنثى ولا فــــاح طيبهــــا

رد مع اقتباس
قديم 2009, 07:19 PM   [2]
عضو جديد








*حياته وصفاته : ولد رحمه الله سنة (1351هـ) كما هو مثبت في حفيظته التي احتفظ بصورة منها حتى اليوم ، وفيها جميع أبنائه وأمام كل منهم ما عدا الصغير إشارة الإلغا(x) إما لزواج أو لاستقلال ببطاقة. ولكن الشيخ محمد العثمان القاضي يصر على أن الوالد رحمه الله ولد قبل ذلك بسنتين (1349هـ) ، وتبعه على ذلك الشيخ عبد الله البسام في ترجمته للوالد ، ولقد نشأ الوالد رحمه الله يتيماً إذ توفي والده وله أربع سنوات فربته أمه طرفه الصالح الخنيني رحمها الله على الدين والخلق إذ كانت رحمها الله عاشت في بيت الشيخ علي بن محمد السناني فنهلت من معين علمه وتربيته ، وكانت أديبة أريبة حكيمة تقرض الشعر الشعبي وتكثر من رواية الحكم والمواعظ. ثم تعلم بعد ذلك على يد المربي صالح بن ناصر آل صالح فاستفاد منه في صقل موهبته الأدبية ، قال الشيخ عبد الله البسام في "علماء نجد في ثمانية قرون (2/88) : "ولد المترجم في بلدة عنيزة عام 1349هـ ونشأ فيها وتعلم في مدارسها النظامية ، حتى تثقف ، وصار ملماً من كل علم وفن بطرف إلا أن ميوله إلى الناحية الأدبية شعراً ونثراً . وحصل على شهادة الكفاءة وأكثر من ملازمة مثقفي مدينة عنيزة مثل الاستاذ صالح بن ناصر آل صالح ، فدرس عليه في المدرسة الابتدائية العزيزية ، واستفاد منه ، فقد وجهه إلى الأدب الرفيع والذوق العالي ، كما عدّل بنانه بحسن الخط وجودة الإنشاء ، فصار من كبار شعراء نجد المعاصرين"أ.هـ وفي أستاذه صالح آل صالح يقول الوالد رحمهم الله :
حنانيك أستاذي فما أنا ناكــــــر * جميلك إني فيك كالمغرم الصــب
تعاهدتني في الزهر كما مغلفاً * وفتحته بالسقي من نبعك العذب
تفتحت في أحضان كفك زهــرة * تضوع أريجاً عن شمائلك الحـــدب
فلولاك ما اهتزت غصون وأثمرت * وكنا بوحل الجهل من عفن التـرب

* وكان الوالد رحمه الله طويلاً باعتدال يميل إلى السمرة قليلاً ، تعلو على محياه هيبة تبدو للناظر من أول وهلة ، وكان حليماً وقوراً حيياً ذا تؤده يبتسم دون ابتذال أو علو صوت ، تعد كلماته في المجلس الذي يجلس فيه لقلة حديثه وكثرة إنصاته لمن يتكلم ، فإذا تكلم لا يمل السامع حديثه. وكان رحمه الله ندي الصوت في قراءة القرآن ، عجيباً في استحضار الآيات في مظانها من المصحف. وكان رحمه الله رجّاعاً إلى الحق لا يأنف من إبداء الملاحظات عليه حتى وإن كان ذلك من أحد أبنائه ، فإني لا أذكر أني ناقشته في أمر قرنته بالدليل الشرعي إلا فاء وسمعت استغفاره. فمن ذلك أني وإياه كنّا في مجلس الجدة والدته رحمهما الله وأنا في بداية دراستي الجامعية فجرى ذكر بعض ما حصل بين معاوية وعليّ رضي الله عنهما فجرى على لسانه رحمه الله شيء مما ذكرته بعض كتب الأدب ، فانتقدته رحمه الله لنقل هذه العبارة التي تنقلها عادة كتب الأدب "كالعقد الفريد" ممن عرف أصحابها بالتشيع ، وتكلمت عن عقيدة أهل السنة والجماعة في تعظيم مقام الصحابة كلهم والإمساك عمّا شجر بينهم ، وهو في ذلك منصت بأدب عجيب مع أني أسلوبي كان حماسياً فما زاد ــ والله ــ على أن أبدى الندم واستغفر ، وكان الجدة رحمها الله تستمع الكلام وتبتسم.
*والدته مدرسته الأولى : كانت الجدة بالنسبة للوالد رحمهما الله هي الأم والأب والأخ ؛ لأنه رحمه الله عاش يتيماً ، فهي مربيته ومدرسته وملهمته لم يفارقها يوماً إلا لسفر عارض ، ولما اختير للسفر لمكة في شبابه مع بعض زملائه لإكمال الدراسة أبت عليه فترك ذلك من أجلها ، فقد كان رحمه الله بَراً بها بِراً لا أعرف له نظيراً في المعاصرين بل كنت استحضر بأفعاله معها وصف النبي صلى الله عليه سلم في وصف أويس القرني : "لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ" ، ولذا فهو لا يدخل البيت أو يخرج إلا ودخل غرفتها وجاذبها الحديث ، ولا يأكل إلا معها في غرفتها إلا نادراً ، ولا يدخل للبيت شيئاً إلا بعد أن تراه وبعد أن عميت بأن تمر يدها عليه فتختار منه ما تريد ، ولا ينام حتى تأوي إلى فراشها فيغطيها ببردته "بشته" الذي على كتفيه فوق أغطيتها خشية عليها من البرد. فإذا غضبت ذات يوم فلا يعرف نوماً حتى ترضى ، حتى إنه في شبابه إذا أغلقت على نفسها حجرتها "الروشن" وهي غضبى كان يتسور السطح "الطاية" على منور غرفتها فيقبل يديها ورأسها حتى ترضى كما حكت لي ذلك والدتي حفظها الله. لقد كانت تمثل له كل شيء في الحياة ، ولذا فعنها يقول رحمهما الله تعالى :
قدست من أنت يا أمــــاه آيتـــــــــه * تفيض فلسفة كبرى لمعتبــــــر
هاأنت طول حياتي لــــي معلمـــة * أسمى التعاليم من باقاتك الغرر
صرت الطريق إلى ربــــي وفاتحــة * ذهني على كوة الكتاب والسـور
رعيتني زهرة وقت الجفاف وبــــي * أصيص حضنك يغري غيرة الزهر
حممتني بالندى واليتم يعصف بي * في باقة ذدت عنها لسعة الدَّبــر

* ويقول في آخر قصيدة أخرى بعنوان "أنـــــــا" :
وفقـــــــدت عمــــلاقي أبي * ووجدت عمــــــلاقــــي الكـــــريم
أمــــــي الــتي في حضنهـا * نــــــوم أنـــــــسي والرقيـــــــــــم
بأنـــــــوثـــــــة جبــــــــــــارة * تخـــــــتال بالصــــبر الأليــــــــــــم
لا الـــــيأس حــــدّر أنفهــــــا * كـــــــلا ولا صلـــــــف اللئــــــــــــم
عاشــــت مدرّســـتي وجـــا * معـــــتي ومــــــأوي الحمـــــــــيم
الله أرســــلها إلـــيّ ومــــن * ســـــوى الـــــــربّ الرحــــــــــــــيم

* ولذا لم يلبث بعد موتها رحمها الله إلا يسيراً حتى ابتدأ به المرض الذي انتهى بموته رحمه الله بعد سنتين ونيف من فراقها فلم يبق معافى فيها إلا أياماً معدودة. فقد كان يرى أنه كالطفل الذي فقد أمه ، والمسافر في دار غربة بعيدة تركه صحبه بلا عودة. لقد تغير طعم الحياة بفقدها فهو يقول بعد وفاتها في قصيدة بعنوان "وداعاً يا أعز حبيبة" :
فقد بك الدنيا التي قد كسيتهــــا * جمالاً وكانت ذات معنى به أهــــــوى
فقد صارت الأيام في غير لونهــــا * فلا طعمها منٌّ ولا ريحها سلــــــــوى
وغرفة ناديك المضيئة اعتمــــــت * وآلت كربـــع بعــد مؤنسـه أقـــــــوى
تذكرني الآثـــــار فيـــــك فانثــني * ولا شيء غير الدمع والعبرة القصوى
قدمت إلى الدنيا وأنت مضيفتــي * فكنت جناحاً ضمد اليتم والشكـــــوى
عرفت بك الله الذي أنت آيــــــــــة * له فعــرفت القلب واللطف والسلـوى
وما زلت بعد الفراق مقيمـــــــــــة * بقلبــي روحــــاً لا تزايلنـــــي نجـــوى
سأبقى على عهد الوفاء لــــبرتي * إلى أن يوافيــــني الذي بـك قد ألــوى

* ويقول في قصيدة بعنوان "زين المحسنات" :
تحملــت الترمــــل والمآســــي * وثكلــــــــك بالـــــذكور وبالإنــــــــاث
وللمــــــت اليتامــى في جنــاح * مهيــــض دافــــــــــئ بالمرحمــــات
تساووا ستــــــــــة وهم ضعاف * بلا ريـــــش كأفــــــــراخ القطـــــــــاة
ولم يهزمك ثقل الصـــبر لمّــــــا * وقفـــــت وأنت وحــــدك في ثبــــات
مــن الإيمـــــــان كان عليك درع * حمـاك ومـا حمـــــــــــــاك مـن الأذاة

* أبناؤه : تزوج رحمه الله امرأتين أحدهما طلقها ولم تنجب منه شيئاً ، والثانية هي : والدتي مضاوي بنت عبد الكريم المرزوقي حفظها الله من قبيلة البقوم رزق منها بأربعة من الذكور وأربع من الإناث ، تزوجوا في حياته وأنجبوا إلا أصغر الأولاد الذكور فقد توفي رحمه الله وهو دون الخامسة عشر ، وقد كنت آخرهم زواجاً قبل وفاته ؛ حيث توفي رحمه الله بعد ولادة أكبر أبنائي عاصم بنحو أربعين ليلة ، وكان قد حمله بيديه قبل موته بليال وهو يردد "جُمَيّل جُمّيْل" أي جميل ، وعاصم الآن قريباً بإذن الله سيتخرج من الجامعة. ولقد كانت علاقة الوالد رحمه الله بأبنائـه علاقة عجيبة متجاذبة بين الحب والهيبة ، والأبوة والصداقة ، كان رحمه الله له هيبة عجيبة إذا دخل البيت كأن على رؤوسنا الطير ، مع أني لا أعرف أنه رحمه الله استعمل الضرب مع أحدٍ مع أبنائه ولا الزجر الشديد ، إنما كانت المعاتبة الهادئة منه أقوى وأقسى من كل ضرب أو زجر ، فإذا رأى أمراً قد استعصى جلس مع المراد تأديبه وناقشه مناقشة فيها الوعظ والحكمة والإقناع وبيان العاقبة السيئة لمّا هو فيه. وكان رحمه الله لا يأنف أن يعتذر لأبنائه إذا رأى أنه تجاوز في التأديب أو العبارة فقد أنبّ أحد أبنائه ذات يوم على أمر ما فأحس بأنه تجاوز وليس كذلك ، فاعتذر منه بعدها وقبل رأسه ، وقال : إذا قسوت عليك يوماً فاعذرني فأنا اليوم قد كبرت وأنا اليوم أرجوكم كما كنتم ترجونني صغاراً. ومما قاله رحمه الله بعد أن اتفق غياب غالب أبنائه للدراسة أو العمل أو لزواج البنات ، وكنت آخرهم سفراً حينئذ إذ فارقته رحمه لله في منتصف سنة (1405هـ) أي قبل موته بثلاث سنوات ونصف ، ففي تلك السنة من شهر شوال قال (وكان في العام الذي قبله قد صلى خلفي في رمضان) :
عليكم يابني ودي سلامـــــــــاً * يعبر عن مدى إشعاع حبي
إذا اختلفت رقاع الأرض فينـــــا * فإن الحب وحد كــــــل قلب
نقابلكم فيشفى كل شــــــوق * ونحيا في البعاد بقلب صبٍ
سلوا في بعدكم خفقات قلبي * فنقر قلوبكم عنهــا سينبي

عضو جديد








*حياته وصفاته : ولد رحمه الله سنة (1351هـ) كما هو مثبت في حفيظته التي احتفظ بصورة منها حتى اليوم ، وفيها جميع أبنائه وأمام كل منهم ما عدا الصغير إشارة الإلغا(x) إما لزواج أو لاستقلال ببطاقة. ولكن الشيخ محمد العثمان القاضي يصر على أن الوالد رحمه الله ولد قبل ذلك بسنتين (1349هـ) ، وتبعه على ذلك الشيخ عبد الله البسام في ترجمته للوالد ، ولقد نشأ الوالد رحمه الله يتيماً إذ توفي والده وله أربع سنوات فربته أمه طرفه الصالح الخنيني رحمها الله على الدين والخلق إذ كانت رحمها الله عاشت في بيت الشيخ علي بن محمد السناني فنهلت من معين علمه وتربيته ، وكانت أديبة أريبة حكيمة تقرض الشعر الشعبي وتكثر من رواية الحكم والمواعظ. ثم تعلم بعد ذلك على يد المربي صالح بن ناصر آل صالح فاستفاد منه في صقل موهبته الأدبية ، قال الشيخ عبد الله البسام في "علماء نجد في ثمانية قرون (2/88) : "ولد المترجم في بلدة عنيزة عام 1349هـ ونشأ فيها وتعلم في مدارسها النظامية ، حتى تثقف ، وصار ملماً من كل علم وفن بطرف إلا أن ميوله إلى الناحية الأدبية شعراً ونثراً . وحصل على شهادة الكفاءة وأكثر من ملازمة مثقفي مدينة عنيزة مثل الاستاذ صالح بن ناصر آل صالح ، فدرس عليه في المدرسة الابتدائية العزيزية ، واستفاد منه ، فقد وجهه إلى الأدب الرفيع والذوق العالي ، كما عدّل بنانه بحسن الخط وجودة الإنشاء ، فصار من كبار شعراء نجد المعاصرين"أ.هـ وفي أستاذه صالح آل صالح يقول الوالد رحمهم الله :
حنانيك أستاذي فما أنا ناكــــــر * جميلك إني فيك كالمغرم الصــب
تعاهدتني في الزهر كما مغلفاً * وفتحته بالسقي من نبعك العذب
تفتحت في أحضان كفك زهــرة * تضوع أريجاً عن شمائلك الحـــدب
فلولاك ما اهتزت غصون وأثمرت * وكنا بوحل الجهل من عفن التـرب

* وكان الوالد رحمه الله طويلاً باعتدال يميل إلى السمرة قليلاً ، تعلو على محياه هيبة تبدو للناظر من أول وهلة ، وكان حليماً وقوراً حيياً ذا تؤده يبتسم دون ابتذال أو علو صوت ، تعد كلماته في المجلس الذي يجلس فيه لقلة حديثه وكثرة إنصاته لمن يتكلم ، فإذا تكلم لا يمل السامع حديثه. وكان رحمه الله ندي الصوت في قراءة القرآن ، عجيباً في استحضار الآيات في مظانها من المصحف. وكان رحمه الله رجّاعاً إلى الحق لا يأنف من إبداء الملاحظات عليه حتى وإن كان ذلك من أحد أبنائه ، فإني لا أذكر أني ناقشته في أمر قرنته بالدليل الشرعي إلا فاء وسمعت استغفاره. فمن ذلك أني وإياه كنّا في مجلس الجدة والدته رحمهما الله وأنا في بداية دراستي الجامعية فجرى ذكر بعض ما حصل بين معاوية وعليّ رضي الله عنهما فجرى على لسانه رحمه الله شيء مما ذكرته بعض كتب الأدب ، فانتقدته رحمه الله لنقل هذه العبارة التي تنقلها عادة كتب الأدب "كالعقد الفريد" ممن عرف أصحابها بالتشيع ، وتكلمت عن عقيدة أهل السنة والجماعة في تعظيم مقام الصحابة كلهم والإمساك عمّا شجر بينهم ، وهو في ذلك منصت بأدب عجيب مع أني أسلوبي كان حماسياً فما زاد ــ والله ــ على أن أبدى الندم واستغفر ، وكان الجدة رحمها الله تستمع الكلام وتبتسم.
*والدته مدرسته الأولى : كانت الجدة بالنسبة للوالد رحمهما الله هي الأم والأب والأخ ؛ لأنه رحمه الله عاش يتيماً ، فهي مربيته ومدرسته وملهمته لم يفارقها يوماً إلا لسفر عارض ، ولما اختير للسفر لمكة في شبابه مع بعض زملائه لإكمال الدراسة أبت عليه فترك ذلك من أجلها ، فقد كان رحمه الله بَراً بها بِراً لا أعرف له نظيراً في المعاصرين بل كنت استحضر بأفعاله معها وصف النبي صلى الله عليه سلم في وصف أويس القرني : "لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ" ، ولذا فهو لا يدخل البيت أو يخرج إلا ودخل غرفتها وجاذبها الحديث ، ولا يأكل إلا معها في غرفتها إلا نادراً ، ولا يدخل للبيت شيئاً إلا بعد أن تراه وبعد أن عميت بأن تمر يدها عليه فتختار منه ما تريد ، ولا ينام حتى تأوي إلى فراشها فيغطيها ببردته "بشته" الذي على كتفيه فوق أغطيتها خشية عليها من البرد. فإذا غضبت ذات يوم فلا يعرف نوماً حتى ترضى ، حتى إنه في شبابه إذا أغلقت على نفسها حجرتها "الروشن" وهي غضبى كان يتسور السطح "الطاية" على منور غرفتها فيقبل يديها ورأسها حتى ترضى كما حكت لي ذلك والدتي حفظها الله. لقد كانت تمثل له كل شيء في الحياة ، ولذا فعنها يقول رحمهما الله تعالى :
قدست من أنت يا أمــــاه آيتـــــــــه * تفيض فلسفة كبرى لمعتبــــــر
هاأنت طول حياتي لــــي معلمـــة * أسمى التعاليم من باقاتك الغرر
صرت الطريق إلى ربــــي وفاتحــة * ذهني على كوة الكتاب والسـور
رعيتني زهرة وقت الجفاف وبــــي * أصيص حضنك يغري غيرة الزهر
حممتني بالندى واليتم يعصف بي * في باقة ذدت عنها لسعة الدَّبــر

* ويقول في آخر قصيدة أخرى بعنوان "أنـــــــا" :
وفقـــــــدت عمــــلاقي أبي * ووجدت عمــــــلاقــــي الكـــــريم
أمــــــي الــتي في حضنهـا * نــــــوم أنـــــــسي والرقيـــــــــــم
بأنـــــــوثـــــــة جبــــــــــــارة * تخـــــــتال بالصــــبر الأليــــــــــــم
لا الـــــيأس حــــدّر أنفهــــــا * كـــــــلا ولا صلـــــــف اللئــــــــــــم
عاشــــت مدرّســـتي وجـــا * معـــــتي ومــــــأوي الحمـــــــــيم
الله أرســــلها إلـــيّ ومــــن * ســـــوى الـــــــربّ الرحــــــــــــــيم

* ولذا لم يلبث بعد موتها رحمها الله إلا يسيراً حتى ابتدأ به المرض الذي انتهى بموته رحمه الله بعد سنتين ونيف من فراقها فلم يبق معافى فيها إلا أياماً معدودة. فقد كان يرى أنه كالطفل الذي فقد أمه ، والمسافر في دار غربة بعيدة تركه صحبه بلا عودة. لقد تغير طعم الحياة بفقدها فهو يقول بعد وفاتها في قصيدة بعنوان "وداعاً يا أعز حبيبة" :
فقد بك الدنيا التي قد كسيتهــــا * جمالاً وكانت ذات معنى به أهــــــوى
فقد صارت الأيام في غير لونهــــا * فلا طعمها منٌّ ولا ريحها سلــــــــوى
وغرفة ناديك المضيئة اعتمــــــت * وآلت كربـــع بعــد مؤنسـه أقـــــــوى
تذكرني الآثـــــار فيـــــك فانثــني * ولا شيء غير الدمع والعبرة القصوى
قدمت إلى الدنيا وأنت مضيفتــي * فكنت جناحاً ضمد اليتم والشكـــــوى
عرفت بك الله الذي أنت آيــــــــــة * له فعــرفت القلب واللطف والسلـوى
وما زلت بعد الفراق مقيمـــــــــــة * بقلبــي روحــــاً لا تزايلنـــــي نجـــوى
سأبقى على عهد الوفاء لــــبرتي * إلى أن يوافيــــني الذي بـك قد ألــوى

* ويقول في قصيدة بعنوان "زين المحسنات" :
تحملــت الترمــــل والمآســــي * وثكلــــــــك بالـــــذكور وبالإنــــــــاث
وللمــــــت اليتامــى في جنــاح * مهيــــض دافــــــــــئ بالمرحمــــات
تساووا ستــــــــــة وهم ضعاف * بلا ريـــــش كأفــــــــراخ القطـــــــــاة
ولم يهزمك ثقل الصـــبر لمّــــــا * وقفـــــت وأنت وحــــدك في ثبــــات
مــن الإيمـــــــان كان عليك درع * حمـاك ومـا حمـــــــــــــاك مـن الأذاة

* أبناؤه : تزوج رحمه الله امرأتين أحدهما طلقها ولم تنجب منه شيئاً ، والثانية هي : والدتي مضاوي بنت عبد الكريم المرزوقي حفظها الله من قبيلة البقوم رزق منها بأربعة من الذكور وأربع من الإناث ، تزوجوا في حياته وأنجبوا إلا أصغر الأولاد الذكور فقد توفي رحمه الله وهو دون الخامسة عشر ، وقد كنت آخرهم زواجاً قبل وفاته ؛ حيث توفي رحمه الله بعد ولادة أكبر أبنائي عاصم بنحو أربعين ليلة ، وكان قد حمله بيديه قبل موته بليال وهو يردد "جُمَيّل جُمّيْل" أي جميل ، وعاصم الآن قريباً بإذن الله سيتخرج من الجامعة. ولقد كانت علاقة الوالد رحمه الله بأبنائـه علاقة عجيبة متجاذبة بين الحب والهيبة ، والأبوة والصداقة ، كان رحمه الله له هيبة عجيبة إذا دخل البيت كأن على رؤوسنا الطير ، مع أني لا أعرف أنه رحمه الله استعمل الضرب مع أحدٍ مع أبنائه ولا الزجر الشديد ، إنما كانت المعاتبة الهادئة منه أقوى وأقسى من كل ضرب أو زجر ، فإذا رأى أمراً قد استعصى جلس مع المراد تأديبه وناقشه مناقشة فيها الوعظ والحكمة والإقناع وبيان العاقبة السيئة لمّا هو فيه. وكان رحمه الله لا يأنف أن يعتذر لأبنائه إذا رأى أنه تجاوز في التأديب أو العبارة فقد أنبّ أحد أبنائه ذات يوم على أمر ما فأحس بأنه تجاوز وليس كذلك ، فاعتذر منه بعدها وقبل رأسه ، وقال : إذا قسوت عليك يوماً فاعذرني فأنا اليوم قد كبرت وأنا اليوم أرجوكم كما كنتم ترجونني صغاراً. ومما قاله رحمه الله بعد أن اتفق غياب غالب أبنائه للدراسة أو العمل أو لزواج البنات ، وكنت آخرهم سفراً حينئذ إذ فارقته رحمه لله في منتصف سنة (1405هـ) أي قبل موته بثلاث سنوات ونصف ، ففي تلك السنة من شهر شوال قال (وكان في العام الذي قبله قد صلى خلفي في رمضان) :
عليكم يابني ودي سلامـــــــــاً * يعبر عن مدى إشعاع حبي
إذا اختلفت رقاع الأرض فينـــــا * فإن الحب وحد كــــــل قلب
نقابلكم فيشفى كل شــــــوق * ونحيا في البعاد بقلب صبٍ
سلوا في بعدكم خفقات قلبي * فنقر قلوبكم عنهــا سينبي

hael1 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
hael1 غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 2009, 07:30 PM   [3]
عضو جديد








* أعماله : الولد رحمه الله لم يسكن غير عنيزة منذ ولادته إلا لسنتين تقريباً انتقل فيهما إلى الرياض قبل زواجه مع والدته عند شقيقيه ، لكن لمّا غلبه الحنــين إلى عنيزة عاد مع والدته وبقي فيها حتى وفاته ، وبعد أن تخرج رحمه الله من المرحلة الابتدائية سنة (1372هـ) تعين مدرساً في المدرسة العزيزية الابتدائية مع أساتذته لتميزه رحمه الله في عقله وعلمه مع قلة المدرسين آنذاك فدرّس بعض أقرانه ، وفي هذه الأيام يصلي خلفي في مسجدي الذي أؤم فيه العم العابد عبد الله الحريقي أبو حمد الذي يذكر لي أن الوالد رحمه الله درّسه تلك الفترة مع أنه من أقران الوالد تقريباً. إن كل من درس على الوالد رحمه الله في تلك الفترة أكن له المحبة وشهد له بالعلم ودماثة الخلق والقدرة الفائقة على إيصال المعلومة. يحكي ذلك الشيخ عبد الله البسام في "علماء نجد في ثمانية قرون (2/88) حين يقول : "زاول المترجم مهنة التدريس فصار محبوباً من زملائه ومن تلاميذه لحسن أخلاقه وكمال سلوكه وطيب حديثه". لكنه رحمه الله بعد فترة من بداية تدريسه تطلع لإكمال الدراسة في بلدته بعد أن منعته والدته رحمها الله من السفر لإكمال الدراسة متغرباً فالتحق بالمرحلة المتوسطة دارساً أيضاً ، فلما أكملها سنة (1384هـ) انتقل إلى الثانوية العامة إدارياً ولم يتحول عنها ، ومن اللطائف إنه انتقل رحمه الله إلى الثانوية بعيد ولادتي بأشهر فأدركته فيها طالباً في آواخر التسعينات وكذلك أدركه قبلي أخي الذي يكبرني. وبالرغم من إلحاح بعض زملائه رحمه الله على انتقاله لإدارة التعليم فقد آثر الاستمرار في الثانوية حتى قدم تقاعده في شهر صفر سنة (1408هـ) لأمرين : فبالإضافة إلى إيثاره البعد عن المسؤولية قدر المستطاع كان حريصاً جداً على التمتع بالإجازة الصيفية التي يتمتع بها موظفوا المدارس ، ولا زلت أذكر ذهابي معه ــ وأنا صغير ــ في أيام الإجازة للثانوية العامة إذا حلَّ دوره في المناوبة الإدارية ، والتي لا تتعدى بضعة عشر يوماً. لكنه رحمه الله في آخر أيامه في الثانوية كان يتحسر على زملائه من الإداريين السابقين الذين كان يجد منهم كل الإجلال والتقدير طيلة خمس وعشرين عاماً ، فلما تغيرت عليه الحال ـ ودوام الحال من المحال ــ قدم تقاعده فكان مما قال رحمه الله في
ورقة تقاعده:
ألقيت حبلك في يمينك فارجعــي * في بيت أهلك قبــــل يوم عرفتنـي
ليس الفراق مع الكرامة بدعـــــــة * هذا هو القدر الـــــذي أوعدتنـــي
صاحبت فيك على الكفاف قناعتي * وبها غنى نفسي ومــــا أغنيتنـــي
ستكون خــــير هـديـــة نســيــــان * من فيـه على درب الأذاة جمعتــني

* وقال في أول قصيدة بعنوان "إخلاء طرفي" :
ما كان صكاً عنّى تسريح مقترف * بل وردةٌ نفحها إخلاؤها طرفـــــــي
كلا و لاهو عتقي في مكاتبــــــة * طويت فيها سنين العمر في الكلــف
عانقتها كوسام صرت أحملـــــــه * وقد رجعت من الميدان بالشَّـــــرف
ألقيت عن عاتقي أعباء واجبهــــا * لاستجم ويُعطى فرصة خلفـــــــــي
في ساعة الصفر في يدي أمــلاً * عانقت فيه خياراً سامي الهــــــــدف
فيه أعزُّ منـــال عشت أطلبـــــــه * ليلاي حريــــتي آلـــتّ إلى كنفـــــي

* وأما في مجال الأعمال الأدبية فقد شارك رحمه الله في تأسيس النادي الأدبي الذي افتتح في مدينة عنيزة في السبعينات لمدة سنتين ثم توقف ، ثم كان عضواً في النادي الأدبي في منطقة القصيم قبل أن يبتعد عنه لطبيعته رحمه الله التي ورثها من أبائه وهو إيثار العزلة والبعد عن التكاليف والرسميات ، ولديّ خطاب مع أوراق الوالد المصورة بتأريخ 9/10/1400هـ خاطب فيه رئيس النادي الأدبي الوالد بصفته عضو النادي الأدبي. لكنه رحمه الله استمر في نشر قصائده وبعض مقالاته في الصحف والمجلات حسب الظروف والوقائع.

* برنامجه اليومي : كان رحمه الله برنامجه رتيباً لا يتغير فهو يتناول فطوره صباحاً مع والدته وزوجته ثم يذهب لعمله ، فإذا عاد تناول غداءه معهما ومع أولاده وكان يأكل بأصابعه الثلاثة لا يزيد عليها ، يأكل بتؤدة عجيبة وبطء ، ثم ينام القيلولة ، فإذا صلى العصر تناول القهوة مع والدته في غرفتها ، ثم يخرج في آخره العصر إلى مزرعة صديق عمره الأستاذ عثمان الحمد القاضي رحمه الله التي هي المنتدى والملتقى اليومي لجميع الأصدقاء ، فيها يتجاذبون أطراف الحديث ويتراوون الأخبار فيصلون المغرب ثم العشاء حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول رجع رحمه الله إلى بيته فدخل غرفة والدته وجلس هنيهة ، ثم خرج وجلس ووالدته مع من حضر من أبنائه للعشاء ، ثم تستمر جلسة السمر مع من بقي حول التلفاز لأنه كان يحرص جداً على مشاهدة المصارعة الحرة ويتفاعل معها ، فإذا انتهت الجلسة رجع لغرفة والدته فسامرها حتى تخلد إلى النوم ثم ذهب هو للنوم. وأما القراءة فكانت في ثنايا أوقاته المعتادة ليس لها وقت معين ، فمثلاً كان يستدني رحمه الله كتاباً قبل أن ينام من ليل أو نهار فيقرأ حتى يأخذه النوم رحمه الله. وفي آخر حياته اشترى أرضاً فسورها وزرع فيها شجراً في حي الروضة وخفف من ذهابه إلى مزرعة عثمان القاضي ، فكان يذهب إلى حديقته كثيراً خاصة في أيام الإجازات الأسبوعية والطويلة فيقرأ وينظم الشعر ويزوره فيها خواص الشعراء المقربين منه. وقد زاره فيها الدكتور طارق الحبيب بمشورتي حين كان طالباً فأخذ من قصائده لنشرها ، وسأله عن بعض أمور حياته وشعره فنشر ذلك في صحيفة جامعة الملك سعود "رسالة الجامعة" ، ثم في صحيفة الجزيرة في عدد(5828) في الشهر الذي توفي فيه الوالد رحمه الله.

* ومما يدل على أن الوالد رحمه الله ممن أخذ الأدب بسليقته وطبيعته الجبليـة ، أنه لم يكن له مكتبة أدبية كبيرة كغيره من الناس أو غرفة خاصة للقراءة في البيت ، وإنما تكون كتبه التي يريد قراءتها عند رأسه رحمه الله ، ومما أذكر أنه كان يحدث نفسه كثيراً بوضع مكتبة في طرف البيت قريباً من غرفته لكنه لم يفعل رحمه الله ، ولّما اجتمعت كتبه وكتب كان يشتريها أخي الأكبر في الأدب وغيره وضعتها في مكتبة غرفتي مع كتبي الشرعية التي كنت أبتدأت بجمعها في أول المرحلة الجامعية قبل أن أنتقل بها إلى بيت المسجد المجاور لبيت الوالد الذي صرت إمامه حيث وضعت لها غرفة مستقلة لّما كثرت. ولا زلت أذكر أن الوالد رحمه الله أخذ من مكتبتي تلك كتاباً عن الرافضة اسمه "وجاء دور المجوس" فقرأه وناقشني عن بعض ما جاء فيه ، فكانت معلوماته مرتكزاً لقصائده التي كتبها عنهم ، فمن ذلك ما قاله في قصيدة له بعنوان "مجانين قم" :
هو التاج إلا أنه في عمامــــــــــــة * وكسرى ولكن في ثياب نفاق
(زاردشت) مستخف بجُّبةِ مسلـم * يُطلِّق دين الحق ألف طـــــلاق
تنفس حقد الدهر من صدر فارس * ودقَّ على الأمجاد باب عــراقِ
حتى قال رحمه الله :
لقد حلموا بين العمائم واللحـــــى * بمجد هوى إيوانه بمحــــــــاق
يريدون بالإغلال أكرم أمــــــــــــــة * هدتهم إلى نور وحسن عتاق
وقد نقموا من أمتي حين خلصــوا * رقابهم من ضيعة ووثـــــــــاق
وشقوا عصا الإسلام منذ انبلاجــه * وما ضربوا فيه بسهم وفــــاق
وما كان روحاً غير عيسى فروحُهم* تهادت عليهم من جزائــر واق
* وقال رحمه الله حينما هاجموا الحرم المكي في أيام الحج في قصيدة بعنوان "يا ربة الصون" كان في مطلعها :
راعوك في خدرك الطهور * ياكعبة النور للدهور:
فقال مشيراً لقطع دابر فتنتهم من جهة الدولة وفقها الله :
نحن هنا والخليل فينــــــا * من عاهل أو فتى صغيـر
حراس من بيته حِمانــــــا * نفديه مــن أثـــــــــم وزر
والموت والنصر في لوانــا * شهادة المؤمن الجـــدير
يا صانعي الجرم قد رأيتم * فإنها غضبة الصبـــــــــور
والموعد الحج إن تعــودوا * نعد ولا لبس في المصير
قرآننا حسمنا فلسنـــــــا * نحيد عن حكمه البصيـــــر

عضو جديد








* أعماله : الولد رحمه الله لم يسكن غير عنيزة منذ ولادته إلا لسنتين تقريباً انتقل فيهما إلى الرياض قبل زواجه مع والدته عند شقيقيه ، لكن لمّا غلبه الحنــين إلى عنيزة عاد مع والدته وبقي فيها حتى وفاته ، وبعد أن تخرج رحمه الله من المرحلة الابتدائية سنة (1372هـ) تعين مدرساً في المدرسة العزيزية الابتدائية مع أساتذته لتميزه رحمه الله في عقله وعلمه مع قلة المدرسين آنذاك فدرّس بعض أقرانه ، وفي هذه الأيام يصلي خلفي في مسجدي الذي أؤم فيه العم العابد عبد الله الحريقي أبو حمد الذي يذكر لي أن الوالد رحمه الله درّسه تلك الفترة مع أنه من أقران الوالد تقريباً. إن كل من درس على الوالد رحمه الله في تلك الفترة أكن له المحبة وشهد له بالعلم ودماثة الخلق والقدرة الفائقة على إيصال المعلومة. يحكي ذلك الشيخ عبد الله البسام في "علماء نجد في ثمانية قرون (2/88) حين يقول : "زاول المترجم مهنة التدريس فصار محبوباً من زملائه ومن تلاميذه لحسن أخلاقه وكمال سلوكه وطيب حديثه". لكنه رحمه الله بعد فترة من بداية تدريسه تطلع لإكمال الدراسة في بلدته بعد أن منعته والدته رحمها الله من السفر لإكمال الدراسة متغرباً فالتحق بالمرحلة المتوسطة دارساً أيضاً ، فلما أكملها سنة (1384هـ) انتقل إلى الثانوية العامة إدارياً ولم يتحول عنها ، ومن اللطائف إنه انتقل رحمه الله إلى الثانوية بعيد ولادتي بأشهر فأدركته فيها طالباً في آواخر التسعينات وكذلك أدركه قبلي أخي الذي يكبرني. وبالرغم من إلحاح بعض زملائه رحمه الله على انتقاله لإدارة التعليم فقد آثر الاستمرار في الثانوية حتى قدم تقاعده في شهر صفر سنة (1408هـ) لأمرين : فبالإضافة إلى إيثاره البعد عن المسؤولية قدر المستطاع كان حريصاً جداً على التمتع بالإجازة الصيفية التي يتمتع بها موظفوا المدارس ، ولا زلت أذكر ذهابي معه ــ وأنا صغير ــ في أيام الإجازة للثانوية العامة إذا حلَّ دوره في المناوبة الإدارية ، والتي لا تتعدى بضعة عشر يوماً. لكنه رحمه الله في آخر أيامه في الثانوية كان يتحسر على زملائه من الإداريين السابقين الذين كان يجد منهم كل الإجلال والتقدير طيلة خمس وعشرين عاماً ، فلما تغيرت عليه الحال ـ ودوام الحال من المحال ــ قدم تقاعده فكان مما قال رحمه الله في
ورقة تقاعده:
ألقيت حبلك في يمينك فارجعــي * في بيت أهلك قبــــل يوم عرفتنـي
ليس الفراق مع الكرامة بدعـــــــة * هذا هو القدر الـــــذي أوعدتنـــي
صاحبت فيك على الكفاف قناعتي * وبها غنى نفسي ومــــا أغنيتنـــي
ستكون خــــير هـديـــة نســيــــان * من فيـه على درب الأذاة جمعتــني

* وقال في أول قصيدة بعنوان "إخلاء طرفي" :
ما كان صكاً عنّى تسريح مقترف * بل وردةٌ نفحها إخلاؤها طرفـــــــي
كلا و لاهو عتقي في مكاتبــــــة * طويت فيها سنين العمر في الكلــف
عانقتها كوسام صرت أحملـــــــه * وقد رجعت من الميدان بالشَّـــــرف
ألقيت عن عاتقي أعباء واجبهــــا * لاستجم ويُعطى فرصة خلفـــــــــي
في ساعة الصفر في يدي أمــلاً * عانقت فيه خياراً سامي الهــــــــدف
فيه أعزُّ منـــال عشت أطلبـــــــه * ليلاي حريــــتي آلـــتّ إلى كنفـــــي

* وأما في مجال الأعمال الأدبية فقد شارك رحمه الله في تأسيس النادي الأدبي الذي افتتح في مدينة عنيزة في السبعينات لمدة سنتين ثم توقف ، ثم كان عضواً في النادي الأدبي في منطقة القصيم قبل أن يبتعد عنه لطبيعته رحمه الله التي ورثها من أبائه وهو إيثار العزلة والبعد عن التكاليف والرسميات ، ولديّ خطاب مع أوراق الوالد المصورة بتأريخ 9/10/1400هـ خاطب فيه رئيس النادي الأدبي الوالد بصفته عضو النادي الأدبي. لكنه رحمه الله استمر في نشر قصائده وبعض مقالاته في الصحف والمجلات حسب الظروف والوقائع.

* برنامجه اليومي : كان رحمه الله برنامجه رتيباً لا يتغير فهو يتناول فطوره صباحاً مع والدته وزوجته ثم يذهب لعمله ، فإذا عاد تناول غداءه معهما ومع أولاده وكان يأكل بأصابعه الثلاثة لا يزيد عليها ، يأكل بتؤدة عجيبة وبطء ، ثم ينام القيلولة ، فإذا صلى العصر تناول القهوة مع والدته في غرفتها ، ثم يخرج في آخره العصر إلى مزرعة صديق عمره الأستاذ عثمان الحمد القاضي رحمه الله التي هي المنتدى والملتقى اليومي لجميع الأصدقاء ، فيها يتجاذبون أطراف الحديث ويتراوون الأخبار فيصلون المغرب ثم العشاء حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول رجع رحمه الله إلى بيته فدخل غرفة والدته وجلس هنيهة ، ثم خرج وجلس ووالدته مع من حضر من أبنائه للعشاء ، ثم تستمر جلسة السمر مع من بقي حول التلفاز لأنه كان يحرص جداً على مشاهدة المصارعة الحرة ويتفاعل معها ، فإذا انتهت الجلسة رجع لغرفة والدته فسامرها حتى تخلد إلى النوم ثم ذهب هو للنوم. وأما القراءة فكانت في ثنايا أوقاته المعتادة ليس لها وقت معين ، فمثلاً كان يستدني رحمه الله كتاباً قبل أن ينام من ليل أو نهار فيقرأ حتى يأخذه النوم رحمه الله. وفي آخر حياته اشترى أرضاً فسورها وزرع فيها شجراً في حي الروضة وخفف من ذهابه إلى مزرعة عثمان القاضي ، فكان يذهب إلى حديقته كثيراً خاصة في أيام الإجازات الأسبوعية والطويلة فيقرأ وينظم الشعر ويزوره فيها خواص الشعراء المقربين منه. وقد زاره فيها الدكتور طارق الحبيب بمشورتي حين كان طالباً فأخذ من قصائده لنشرها ، وسأله عن بعض أمور حياته وشعره فنشر ذلك في صحيفة جامعة الملك سعود "رسالة الجامعة" ، ثم في صحيفة الجزيرة في عدد(5828) في الشهر الذي توفي فيه الوالد رحمه الله.

* ومما يدل على أن الوالد رحمه الله ممن أخذ الأدب بسليقته وطبيعته الجبليـة ، أنه لم يكن له مكتبة أدبية كبيرة كغيره من الناس أو غرفة خاصة للقراءة في البيت ، وإنما تكون كتبه التي يريد قراءتها عند رأسه رحمه الله ، ومما أذكر أنه كان يحدث نفسه كثيراً بوضع مكتبة في طرف البيت قريباً من غرفته لكنه لم يفعل رحمه الله ، ولّما اجتمعت كتبه وكتب كان يشتريها أخي الأكبر في الأدب وغيره وضعتها في مكتبة غرفتي مع كتبي الشرعية التي كنت أبتدأت بجمعها في أول المرحلة الجامعية قبل أن أنتقل بها إلى بيت المسجد المجاور لبيت الوالد الذي صرت إمامه حيث وضعت لها غرفة مستقلة لّما كثرت. ولا زلت أذكر أن الوالد رحمه الله أخذ من مكتبتي تلك كتاباً عن الرافضة اسمه "وجاء دور المجوس" فقرأه وناقشني عن بعض ما جاء فيه ، فكانت معلوماته مرتكزاً لقصائده التي كتبها عنهم ، فمن ذلك ما قاله في قصيدة له بعنوان "مجانين قم" :
هو التاج إلا أنه في عمامــــــــــــة * وكسرى ولكن في ثياب نفاق
(زاردشت) مستخف بجُّبةِ مسلـم * يُطلِّق دين الحق ألف طـــــلاق
تنفس حقد الدهر من صدر فارس * ودقَّ على الأمجاد باب عــراقِ
حتى قال رحمه الله :
لقد حلموا بين العمائم واللحـــــى * بمجد هوى إيوانه بمحــــــــاق
يريدون بالإغلال أكرم أمــــــــــــــة * هدتهم إلى نور وحسن عتاق
وقد نقموا من أمتي حين خلصــوا * رقابهم من ضيعة ووثـــــــــاق
وشقوا عصا الإسلام منذ انبلاجــه * وما ضربوا فيه بسهم وفــــاق
وما كان روحاً غير عيسى فروحُهم* تهادت عليهم من جزائــر واق
* وقال رحمه الله حينما هاجموا الحرم المكي في أيام الحج في قصيدة بعنوان "يا ربة الصون" كان في مطلعها :
راعوك في خدرك الطهور * ياكعبة النور للدهور:
فقال مشيراً لقطع دابر فتنتهم من جهة الدولة وفقها الله :
نحن هنا والخليل فينــــــا * من عاهل أو فتى صغيـر
حراس من بيته حِمانــــــا * نفديه مــن أثـــــــــم وزر
والموت والنصر في لوانــا * شهادة المؤمن الجـــدير
يا صانعي الجرم قد رأيتم * فإنها غضبة الصبـــــــــور
والموعد الحج إن تعــودوا * نعد ولا لبس في المصير
قرآننا حسمنا فلسنـــــــا * نحيد عن حكمه البصيـــــر

hael1 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
hael1 غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 2009, 08:04 PM   [4]
عضو جديد








*أصدقاؤه ومقربوه : تقدم أن الوالد رحمه الله كان له اجتماعات مع أصدقائه في فترة شبابه ونحن صغار ، وهذه الاجتماعات على دوائر مختلفة :
* (الأولى) الاجتماع اليومي في مزرعة الأستاذ عثمان القاضي رحمه الله والذي يجتمع فيها الأصدقاء من المساء حتى ذهاب جزء من الليل ، وربما جاءوا بأبنائهم فيلعبون الكرة ويسبحون في البرك ، فكانت من أجمل الأيام.
* (الثاني) الاجتماع الاسبوعي وذلك أن هؤلاء الأصدقاء صنعوا لهم ما كنا نسميه ونحن صغارٌ "بالصندقة" ، وهي أشبه بالغرفة المربعة الكبيرة المبنية من الحديد الخفيف الذي يسمى "الشينكو" على هيئة الخيام الكبيرة اليوم ، كان الوالد والأصدقاء يجتمعون فيها في كل ليلة جمعة ويكون العشاء على أحدهم بالتناوب.
* (الثالث) : الاجتماع الموسمي حينما تكثر الأمطار وتزهر الأرض كان الوالد والأصدقاء يخرجون برحلات "الكشتات" من ارتفاع النهار إلى المساء ، ولا زلت أذكر بعض صور التي تحكي هذه الرحلات للوالد ومن معه كنا نتداولها بيننا. والوالد رحمه الله محب للسحب والأمطار إلى درجة الهيام حتى إنه إذا أقبل السحاب من بعيد أخذ صديقه وجاره أحمد الصائغ يتلقيان السحاب إذا أقبل ، فتجود قريحته بالشعر. وللوالد رحمه الله قصيدة يتغنى بها في مثل هذه الأجواء فهو يقول :
لا شيء في طب النفــوس * كنزهة في ضاحيــة
أو روضة ممطــــــــــــــــورة * معزولة في ناحيــــة
تاه الضجيج طريقهـــــــــــــا * وسماؤها لك ساجيـة
فتكاد تسمع همس نفســـك * للضمير مناجيــــــــــة
وتكاد تسمع نقر قلبــــــــك * في الضلوع الغافيــــة
وتحس وسوسة الرمــــــال * على النسيم مناغيــة
ما أجمل الصحراء لـــــــــــــو * قالوا حياة الباديـــة
مهد التأمل والهــــــــــــــوى * وقصيدة متصابيــــــة
* (الرابع) : الرحلة السنوية ، بذهابه رحمه الله مع ثلة من أصدقائه في كل إجازة إلى لبنان لمدة شهر يزيد أو ينقص ، و في آخر سنوات رحلاته إلى لبنان قبل الحرب قال لي رحمه الله : إنه كان ينتظر نزول العقوبة على أهل لبنان ؛ لأن سب الله سبحانه وسب دينه صار شيئاً عادياً جارياً على ألسنتهم في ثنايا كلامهم ، وحكى لي رحمه الله بعض تلك العبارات الشنيعة. وقد كان رحمه الله يتحسر على أيامه في لبنان لذا كتب قصيدة سماها "لبنــان" مما قاله فيها :
لبنان ملك الناس ليس لمن هم * نعموا بجنته وما شكــــــروه
لبسوا النضــارة والمــــــــــــــنى * وعليل نسمته فهل قــدروه
واليوم وحدي بالحنيــن بعهــــده * أفـلا أحنّ ولا يحـن بنـــــــوه
وإذا عتبـت على ذويـه فإنمــــــــا * باللوم أقرصهم بما اقترفوه
إن لم يكـونوا مثله فـــي برِّهــــم * فالحق يقي أن أقول دعــوه
أمسيت أخشى أن يُمزّق تحتهـم * أو ينطوي وإذا بهم فقــــدوه
حسدوا به جاراً يرتـل شعره * بجمالــه وبطبعهــم حســــــدوه
* وقد أخبرني زوج الخالة الأستاذ عبد الله النهابي أنهم كلما دخلوا على الوالد رحمه الله في سكنه بلبنان وجدوه جالساً على زاوية يتأمل الطبيعة ومعه قلمه وقرطاسه يكتب شعراً. وأما هو فحدثني رحمه الله ذات مرة عن شيء مما كان يدور في منتدياتهم الثفافية بلبنان بعد حين ذكرت له بعض المثقفين الذين انحرفوا في دينهم ، فكان مما قاله لي : إن أحد هؤلاء قال له وهم في لبنان : أنت يا أبا سامي! مثقف لكنك رجعي. ولذا قال رحمه الله في الرد عليه بقصيدة بعنوان "إلى صديق تاه عن أمر ربه" :
من لم يقده العقل بين شكوكه * نحو الإله فذاك كالنسنـــــــــــاس
كل الحقيقة كلها بوجــــــــــوده * فليذهب الإيمان بالوســــــــواس
يا طاعن الأديان في إلحـــــــاده * قد راج أفيون الشعوب الخاسي
الدين حق الله في ملكوتــــــــه * هو واضع الأديان والآســــــــاس
أديانه اجتمعت إلى قرآنــــــــــه * ومحمد فيه إمام النــــــــــــــــاس
آمن بربك فهو مفتاح الهــــــدى * والبس من الإسلام خير لبـــــس
فهناك تصبح آدمياً عاقــــــــــــلاً * لا عابثاً كالمنتشي بالكــــــــــأس

* فلما دمرت الحرب لبنان كان الوالد وصحبه يذهبون إلى أرض الكنانة مصر ، وأحياناً إلى المغرب ، وكان من محفوظاتي التي بقيت عالقة في ذهني منذ ثلاثين سنة بيتان من مطلع قصيدة نبطية سمعتها من فيه قالها في نهاية رحلة لمصر سكنَ في حيٍّ معروف يدعى "الدقيّ" هما :
يا شقة الدقيّ عليك السلامي * قرب السفر ادعي لنا بالتوافيق
عشرين واربع طرفن بالتمامي * انبهر الدلــــة وانتلاه بابــــــريق

* وكان رحمه الله كتب قصيدة بعنوان "رسالة الأهرام" فمما جاء فيها :
قصدت مقابــــر الأهــرام يومـاً * لأكتـب فكــرة عــبرت ببـالي
رأيت قبور شعب في حضيـض * (ومنق) و(خف) و(خوفو) في الأعالي
أيجـــــدر بالبنـاة نــزول تـــــرب * وهم رفــعوا المقابـر كالجــــــــــــــبال
عبيد الشمس تاهوا في حيـاة * وبعد الموت تاهــــوا في التعالـــــــــــــي
يرون النـاس من وحل وطيـنٍت * وهم من عنصر عالـي المنــــــــــــــــال
فشادوا من مقابرهم صروحـــاً * على أشلاء وأكتــاف الرجـــــــــــــــــال
فما تحنيطهـــــــم إلا جــــــــــزاء * لِمَا اقترفــوه أُمعـــــــــن بالــــــــــوبال
ترى الفرعون معروضاً مسـجى * بأقفاص التفـــاهــة بالريـــــــــــــــــــال
فلو سكنوا التراب وفيــــه ذابــو * فمــا صــار الملـــوك لشـر حـــــــــــــال
ولكــــن الإلـــــــه لــــه انتقــــام * بمــن شركـــــــــوه أرديــة الجــــــــــلال
ولو أنـي وجــدت بعصر خــوفــو * جهـرت بمـــا اعتقـدت ولا أبــالـــــــــــي
فما الأحجار وهي على ضـريــح * تـــدل علــــى جـلالتــــه بحــــــــــــــــــال
ولكـــني أسفـــت علــــى زنـــود * مسخـــــــرة بنتـــهــــــا بابتـــــــــــذال

* وفي المغرب له قصيدة بعنوان "طنجة" وأخرى بعنوان "ذكرى طنجة" قال في مطلع الأولى :
رشيقة بسامة حلـــــــــوة * رقيقة تعزف لحنة الصـــــــور
مضيافة بيضاء مياســـــــة * أنسامها روح نسيم السحـــر
عانقتها بعد طول المـــدى * كنت وكانت كالندى والزهــــر
حيتك يا طنجة مني المنى * في غمرة الشوق وبوح الذكر

* لكن في آخر حياة الوالد رحمه الله خاصة منذ مرض والدته أقل من السفر جداً ، وأقل من مثل هذه الاجتماعات الأربعة السابق ذكرها وصار يأوي كثيراً إلى حديقته الصغيرة ، فيجتمع إليه فيها طائفة من الأصدقاء الذين يشاركونه بالشعر والأدب كالأستاذ الفاضل عبد الرحمن المساعد المنير الذي كان زميلاً للوالد في الثانوية العامة ، ثم زاملته أنا بعد وفاة الوالد بست سنوات في ثانوية ابن سعدي في عام (1415هـ) لسنتين قبل أن انتقل إلى الجامعة فكان من خير من عرفت فضلاً وعقلاً ، وكان يحمل حباً وحنيناً عجيباً للوالد رحمه الله. وذلك أن علاقة الوالد بأصدقائه علاقة تقوم على الاحترام والمحبة ، فكل من عرفه رحمه الله وصاحبه أحبه واحترمه لخلقه وتواضعه وتودده للناس وكونه موسوعة في الأدب والشعر يؤنس بذلك من جالسه.
* ومن أصدقاء الوالد القدماء الذين استحضرهم الآن وقد عرفتهم صغيراً : الأستاذ عثمان الحمد القاضي رحمه الله صاحب المزرعة الشهيرة والصديق الملازم الذي كان الوالد يكن له الاحترام حتى إنه رحمه الله ذهب في مرض موته ليعايده بمناسبة العيد قبل موته بأشهر وهو يتوكأ على عصاه ، والأستاذ الفاضل عبد الرحمن بن صالح العليان مدير التعليم السابق ، والأستاذ عبد الله الخلف الخنيني وهو من ركبّ أول مكيف صحراوي جلبه الوالد لبيتنا الطيني على قاعدة خشبية فجزاه الله خيراً ، ولا يزال يصلي معي أحياناً فأذكر به الوالد رحمه الله لأن به من أخلاقه وطبيعته ، وجارا الوالد الأستاذان أحمد بن عبد العزيز الصائغ ، وعبد العزيز بن سليمان الزيداني ، والمربي الأستاذ أبو سامي محمد السيوفي ، والأستاذ عبد العزيز العمر ، والأستاذ محمد الكريداء مدير الثانوية العامة قديماً.

عضو جديد








*أصدقاؤه ومقربوه : تقدم أن الوالد رحمه الله كان له اجتماعات مع أصدقائه في فترة شبابه ونحن صغار ، وهذه الاجتماعات على دوائر مختلفة :
* (الأولى) الاجتماع اليومي في مزرعة الأستاذ عثمان القاضي رحمه الله والذي يجتمع فيها الأصدقاء من المساء حتى ذهاب جزء من الليل ، وربما جاءوا بأبنائهم فيلعبون الكرة ويسبحون في البرك ، فكانت من أجمل الأيام.
* (الثاني) الاجتماع الاسبوعي وذلك أن هؤلاء الأصدقاء صنعوا لهم ما كنا نسميه ونحن صغارٌ "بالصندقة" ، وهي أشبه بالغرفة المربعة الكبيرة المبنية من الحديد الخفيف الذي يسمى "الشينكو" على هيئة الخيام الكبيرة اليوم ، كان الوالد والأصدقاء يجتمعون فيها في كل ليلة جمعة ويكون العشاء على أحدهم بالتناوب.
* (الثالث) : الاجتماع الموسمي حينما تكثر الأمطار وتزهر الأرض كان الوالد والأصدقاء يخرجون برحلات "الكشتات" من ارتفاع النهار إلى المساء ، ولا زلت أذكر بعض صور التي تحكي هذه الرحلات للوالد ومن معه كنا نتداولها بيننا. والوالد رحمه الله محب للسحب والأمطار إلى درجة الهيام حتى إنه إذا أقبل السحاب من بعيد أخذ صديقه وجاره أحمد الصائغ يتلقيان السحاب إذا أقبل ، فتجود قريحته بالشعر. وللوالد رحمه الله قصيدة يتغنى بها في مثل هذه الأجواء فهو يقول :
لا شيء في طب النفــوس * كنزهة في ضاحيــة
أو روضة ممطــــــــــــــــورة * معزولة في ناحيــــة
تاه الضجيج طريقهـــــــــــــا * وسماؤها لك ساجيـة
فتكاد تسمع همس نفســـك * للضمير مناجيــــــــــة
وتكاد تسمع نقر قلبــــــــك * في الضلوع الغافيــــة
وتحس وسوسة الرمــــــال * على النسيم مناغيــة
ما أجمل الصحراء لـــــــــــــو * قالوا حياة الباديـــة
مهد التأمل والهــــــــــــــوى * وقصيدة متصابيــــــة
* (الرابع) : الرحلة السنوية ، بذهابه رحمه الله مع ثلة من أصدقائه في كل إجازة إلى لبنان لمدة شهر يزيد أو ينقص ، و في آخر سنوات رحلاته إلى لبنان قبل الحرب قال لي رحمه الله : إنه كان ينتظر نزول العقوبة على أهل لبنان ؛ لأن سب الله سبحانه وسب دينه صار شيئاً عادياً جارياً على ألسنتهم في ثنايا كلامهم ، وحكى لي رحمه الله بعض تلك العبارات الشنيعة. وقد كان رحمه الله يتحسر على أيامه في لبنان لذا كتب قصيدة سماها "لبنــان" مما قاله فيها :
لبنان ملك الناس ليس لمن هم * نعموا بجنته وما شكــــــروه
لبسوا النضــارة والمــــــــــــــنى * وعليل نسمته فهل قــدروه
واليوم وحدي بالحنيــن بعهــــده * أفـلا أحنّ ولا يحـن بنـــــــوه
وإذا عتبـت على ذويـه فإنمــــــــا * باللوم أقرصهم بما اقترفوه
إن لم يكـونوا مثله فـــي برِّهــــم * فالحق يقي أن أقول دعــوه
أمسيت أخشى أن يُمزّق تحتهـم * أو ينطوي وإذا بهم فقــــدوه
حسدوا به جاراً يرتـل شعره * بجمالــه وبطبعهــم حســــــدوه
* وقد أخبرني زوج الخالة الأستاذ عبد الله النهابي أنهم كلما دخلوا على الوالد رحمه الله في سكنه بلبنان وجدوه جالساً على زاوية يتأمل الطبيعة ومعه قلمه وقرطاسه يكتب شعراً. وأما هو فحدثني رحمه الله ذات مرة عن شيء مما كان يدور في منتدياتهم الثفافية بلبنان بعد حين ذكرت له بعض المثقفين الذين انحرفوا في دينهم ، فكان مما قاله لي : إن أحد هؤلاء قال له وهم في لبنان : أنت يا أبا سامي! مثقف لكنك رجعي. ولذا قال رحمه الله في الرد عليه بقصيدة بعنوان "إلى صديق تاه عن أمر ربه" :
من لم يقده العقل بين شكوكه * نحو الإله فذاك كالنسنـــــــــــاس
كل الحقيقة كلها بوجــــــــــوده * فليذهب الإيمان بالوســــــــواس
يا طاعن الأديان في إلحـــــــاده * قد راج أفيون الشعوب الخاسي
الدين حق الله في ملكوتــــــــه * هو واضع الأديان والآســــــــاس
أديانه اجتمعت إلى قرآنــــــــــه * ومحمد فيه إمام النــــــــــــــــاس
آمن بربك فهو مفتاح الهــــــدى * والبس من الإسلام خير لبـــــس
فهناك تصبح آدمياً عاقــــــــــــلاً * لا عابثاً كالمنتشي بالكــــــــــأس

* فلما دمرت الحرب لبنان كان الوالد وصحبه يذهبون إلى أرض الكنانة مصر ، وأحياناً إلى المغرب ، وكان من محفوظاتي التي بقيت عالقة في ذهني منذ ثلاثين سنة بيتان من مطلع قصيدة نبطية سمعتها من فيه قالها في نهاية رحلة لمصر سكنَ في حيٍّ معروف يدعى "الدقيّ" هما :
يا شقة الدقيّ عليك السلامي * قرب السفر ادعي لنا بالتوافيق
عشرين واربع طرفن بالتمامي * انبهر الدلــــة وانتلاه بابــــــريق

* وكان رحمه الله كتب قصيدة بعنوان "رسالة الأهرام" فمما جاء فيها :
قصدت مقابــــر الأهــرام يومـاً * لأكتـب فكــرة عــبرت ببـالي
رأيت قبور شعب في حضيـض * (ومنق) و(خف) و(خوفو) في الأعالي
أيجـــــدر بالبنـاة نــزول تـــــرب * وهم رفــعوا المقابـر كالجــــــــــــــبال
عبيد الشمس تاهوا في حيـاة * وبعد الموت تاهــــوا في التعالـــــــــــــي
يرون النـاس من وحل وطيـنٍت * وهم من عنصر عالـي المنــــــــــــــــال
فشادوا من مقابرهم صروحـــاً * على أشلاء وأكتــاف الرجـــــــــــــــــال
فما تحنيطهـــــــم إلا جــــــــــزاء * لِمَا اقترفــوه أُمعـــــــــن بالــــــــــوبال
ترى الفرعون معروضاً مسـجى * بأقفاص التفـــاهــة بالريـــــــــــــــــــال
فلو سكنوا التراب وفيــــه ذابــو * فمــا صــار الملـــوك لشـر حـــــــــــــال
ولكــــن الإلـــــــه لــــه انتقــــام * بمــن شركـــــــــوه أرديــة الجــــــــــلال
ولو أنـي وجــدت بعصر خــوفــو * جهـرت بمـــا اعتقـدت ولا أبــالـــــــــــي
فما الأحجار وهي على ضـريــح * تـــدل علــــى جـلالتــــه بحــــــــــــــــــال
ولكـــني أسفـــت علــــى زنـــود * مسخـــــــرة بنتـــهــــــا بابتـــــــــــذال

* وفي المغرب له قصيدة بعنوان "طنجة" وأخرى بعنوان "ذكرى طنجة" قال في مطلع الأولى :
رشيقة بسامة حلـــــــــوة * رقيقة تعزف لحنة الصـــــــور
مضيافة بيضاء مياســـــــة * أنسامها روح نسيم السحـــر
عانقتها بعد طول المـــدى * كنت وكانت كالندى والزهــــر
حيتك يا طنجة مني المنى * في غمرة الشوق وبوح الذكر

* لكن في آخر حياة الوالد رحمه الله خاصة منذ مرض والدته أقل من السفر جداً ، وأقل من مثل هذه الاجتماعات الأربعة السابق ذكرها وصار يأوي كثيراً إلى حديقته الصغيرة ، فيجتمع إليه فيها طائفة من الأصدقاء الذين يشاركونه بالشعر والأدب كالأستاذ الفاضل عبد الرحمن المساعد المنير الذي كان زميلاً للوالد في الثانوية العامة ، ثم زاملته أنا بعد وفاة الوالد بست سنوات في ثانوية ابن سعدي في عام (1415هـ) لسنتين قبل أن انتقل إلى الجامعة فكان من خير من عرفت فضلاً وعقلاً ، وكان يحمل حباً وحنيناً عجيباً للوالد رحمه الله. وذلك أن علاقة الوالد بأصدقائه علاقة تقوم على الاحترام والمحبة ، فكل من عرفه رحمه الله وصاحبه أحبه واحترمه لخلقه وتواضعه وتودده للناس وكونه موسوعة في الأدب والشعر يؤنس بذلك من جالسه.
* ومن أصدقاء الوالد القدماء الذين استحضرهم الآن وقد عرفتهم صغيراً : الأستاذ عثمان الحمد القاضي رحمه الله صاحب المزرعة الشهيرة والصديق الملازم الذي كان الوالد يكن له الاحترام حتى إنه رحمه الله ذهب في مرض موته ليعايده بمناسبة العيد قبل موته بأشهر وهو يتوكأ على عصاه ، والأستاذ الفاضل عبد الرحمن بن صالح العليان مدير التعليم السابق ، والأستاذ عبد الله الخلف الخنيني وهو من ركبّ أول مكيف صحراوي جلبه الوالد لبيتنا الطيني على قاعدة خشبية فجزاه الله خيراً ، ولا يزال يصلي معي أحياناً فأذكر به الوالد رحمه الله لأن به من أخلاقه وطبيعته ، وجارا الوالد الأستاذان أحمد بن عبد العزيز الصائغ ، وعبد العزيز بن سليمان الزيداني ، والمربي الأستاذ أبو سامي محمد السيوفي ، والأستاذ عبد العزيز العمر ، والأستاذ محمد الكريداء مدير الثانوية العامة قديماً.

hael1 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
hael1 غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 2009, 09:22 PM   [5]
عضو جديد








* أصدقاء الشعر : الحقيقة أنه لا أظــــن لمثلي أن يحيط بهؤلاء الأصدقاء خاصة في تأريخ الوالد القديم فهو موضوع أكبر مني ، وكذلك من كان منهم بعد رحيلي إلى الرياض في آخر أربع سنوات غاب عني الكثير من الأحداث التي عايشها الوالد رحمه الله ، وحينما تقرأ لبعض الأدباء الذين عاشوا قديماً في عنيزة ممن قدر لهم أن يكتبوا إشارات عن تأريخ أدبها فإنك تجد شذرات متناثرة هنا وهنا فتستشف منها أن هناك أموراً غائبة كثيرة تحتاج إلى خريت أدب ليجمعها من أفواه الرجال وليس لها إلا الأدباء والمؤرخون ، ولكن أين هم ؟ فانظر على سبيل المثال ما جاء في جريدة الجزيرة الثقافية في يوم الأثنين 25 /رجب/1424 العدد(29) تحت موضوع (خواطر مرسلة عبدالله بن إبراهيم الجلهم رحمهالله رتّبها وأعاد تبويبها وهيأها للنشر في المجلة الثقافية الأستاذ الدكتور عبدالكريم بن محمد الأسعد أستاذ النحو والصرف والبلاغة سابقاً بجامعة الملك سعود.الأستاذ سعد بن ابراهيم أبو معطي) حين يقول : "شارك «أبو ساطي» رحمه الله وأرضاه خلال عمله بعنيزة مشاركاتٍ أدبية بارزة في ميدان الأدب شعره ونثره ، وفي تلك الأيام كان للأدب بين الشباب جولاتٍ وصولات لم تحدَّ منها ولم تعل عليها ميادينُ" الكرة والأقدام" فكان للفقيد الغالي إسهامات شعريةٌ رفيعة وردود وتعليقات أدبيةكان يقدمها في ميدان «النادي الثقافي» طيَّب الله ذكره وعلى منصة «النادي الأدبي» بالمعهد ... وكانت لمقطوعاته الشعرية وقصائده نفحةٌ حزينة تجلو بتاريخه وتترجم آلامه ومعاناته بحيث يكون كما عبّر عن نفسه "كأنني بعد تننُّسي بها خرجت من معتقلٍ مظلم الى جنبات حديقة مورده".. شارك في النادي بقصيدته "السِّينية" التي أهداها إلى الذين يسامرون نجوم الليل والخليُّون نُوَّمُ ويتقلبون في أتون الأحزان والأسى وسواهم لا يحسون تبعات الحياة ولأدائها!!.. وقد جاء من حسن القصيدة الحراء ما يلي:
(كلَّما فاضت الهموم بكأسي
أتأسَّى وليس يجدي التأسِّي
أحتسي من كؤوسها كل صابٍ
علقم طافحٍ بآلام نفسي
كلَّما أقلعت مراكبُ منها
إذْ بأخرى أشدُّ منهن تُرسى(!!!
أثارت هذه القصيدة التي تبلغ 27 "بيتاً" زوبعة أدبيةً وفكرية تجسّدت في المعارضات الشعريّة التي أوحت بها وأيقظت شجونها .. فقد عارضها كاتب هذه السطور بقصيدة منها:
(زدني يا سعدُ من شجونك زدني
فلقد فاض بالمرارة كأسي
أنت في لجة الحياةِ مُعنّىً
بهمومٍ "وما أبرئ نفسي"
فيك ما في جوانحي من وجومٍ
فضَّة الوطء مثقلاتٍ بيأسي)
وعارضهاالشاعر المرحوم الأستاذ عبد الله الحمد السناني بقصيدةٍ شجية منها:
(آه يا دهرُ قد تلقيت درسي
واعياً قبلما نعومةِ خَمسِ
قلب الدهرُ لي المجنَّ مفيداً
حالك اللون مثل غربيب عبسِ
يا خليليَّ واطويا صفحة الحزن
فعقبى الظلامِ إشراقُ شمسِ)
وعارض الثلاثة شاعرٌ رابع هو الأديب الأستاذمحمد الحمد السليم أمير عنيزةالحالي بقصيدة مشجية لا تحتفظ الذاكرةُ منها بشيء للأسف"أ.هـ. لكن ممن أعرف وهم قليل جداً من المتأخرين :
1- الأستاذ محمد البراهيم السلمان رحمه الله الذي كان بينه وبين الوالد في آخر عمر الوالد قصائد كل منهما يشتكي للآخر بالشعر الشعبي ، ومن ذاك ما قال له الوالد في مطلع قصيدة شعبية قبل وفاته بسنة واحده تقريبًا في 28/2/1408هـ:
سر يا قلم وانشر مطاوي كنينها*في نفس محرور لحْيْــــــــد يعينهـا
لمحمد السلمـان ذرب المعاملـة* مبارك في زين الليـالي وشينهــــا
وفصّل لبوبراهيم ماجـرّح الحشا*ولو كان من شكواك مثلك طعينهـا
حتى قال :
بلاني بتال الوقت من هان واجبي * شقي نفسٍ حر خطو نذلٍ يهينهـــــا
تمثنيت بايامي بستر وسلامـــــــة * ولا ناب ملفاها ولا ذاب حينهــــــــا
وعيبي حياي وعلتي طيب الربــــا * ولي شيمة عيّت تقبـل عطينهــــــــا
ربينا مع اجواد تنحوا وودعـــــــــــوا * خلفهـم هثيـل ليتنا سابقينهــــــــا
ولا صار مقبلهم مثل حاضرينهــــم *عسى البيض فصي ما يدورج جنينها
ولعل هذه القصيدة كانت بعد المضايقة التي تعرض لها الوالد في عمله فقدم على إثرها تقاعده بقرينة وقوعهــا بنفس شهر التقاعد ، أو لأن الوالد ــ وهو الأظهر عندي ــ أراد من شخص معروف حقاً مالياً وكان بضائقة شديدة فتطــاول عليه وواجهه بكلام سوقي قذر كما قاله لي الوالد رحمه الله بنصه ، وقد قالت لي الوالدة حفظها الله عن أيامه تلك مع هذا الرجل أنه كان لا ينام الليل وإذا نام فإنه يزفر في نومه بحرقه. ولمّا أراد الوالـد أن يشتكيه وابتدأ في ذلك لمته رحمه الله لمّا زارنا في الرياض في أيام زواجي : بأنك قد صبرت في شبابك وأحلك أيامك على أمرّ من ذلك صيانة لنفسك ، والآن في آخر عمرك تنزل نفسك منزلة هؤلاء الرعاع ، وأظنه قال في ذلك :
أنا وردة عزلاء تنفـــــح * بالعبـير لمـن عـــبــر
أنا نحلة في شهدهــا * الممنوح قد رمت الأبــر
أنا هكـــذا لكنـــنـــــي * في ذاك موفور الخطــر
فكرامتي مثل الحمـى * ما مسـه غـير المــطــر
يا ظالمي ليس الحطـا * م كـرامةً يـاذا الأشــــر
لكرامتي لا أطـاولـــــك * الخصـــومة ياغُــــــدَر
أنا لا أجيد كما تجيــــــد * ولن أنازعــك القــــذر
سأغض طرفي زاهــداً * لأزيح عن نفسي الكدر
وإذا خسرت فمكسبي * شــرفي وأجــر يدّخــــــر
راوغ فإنـــــــــك ثعلـــب * وافخــر فأنـت المنتـصر
ولسوف يحكــم بيننـــــا * قــــاض له عـدل القـدر

2- ابن أخت الوالد رحمه الله الأستاذ صالح الأحمد العثيمين ، الذي كتب قصيدة للوالد رحمه الله بتأريخ 12/12/1403هـ يهنئه بالعيد قال في افتتاحها : "إلى الذي تعلمنا منه كيف تولد الحروف ، وتضيء الكلمات ، وكيف تجود المواسم والفصول : الخال الكريم أبو سامي" وفي ثناياها قال :
ملاعبك الخضراء فينا خميلــــــــة * بها عالم من عالم الحبّ يصـدح
أضعناك لمَّا ضاع منا طريقنـــــــــا * فكيف إلى لقياك نهفوا ونطمــح
وعفوك يا سراً بليـلاتِ عمرنــــــــا * به قد عرفنا كيف نأسى ونفرح
فأنت وإن عزّ اللقـاء حبيبنــــــــــــا * له في قلوب الكلّ عهد ومسرح
عرفناك في الروح الكريم وفيضها * وفي الباقيات الغَر كفّاك تمنـــح
تهانيَّ يا جيلاً من الحب قـائمـــــــاً * يطـير به حـبٌّ إليك مجنــــــــــحّ
فرد عليه الوالد بقصيدة منها :
تلاقت بجو العيد أجنحة الهـــــــــــــوى * فسر اغترابي زاجل منك يفصــح
ولم أدر أن العيد مرّ بخيمتــــــــــــــــي * سوى أن أوتاراً بكفيك تصـــــــدح
تنغم روحًا قد صفى فيك جوهــــــــــراً * كأنغام غيث الوسم والأرض تكلح
أبا خالد ذكرت من ليس ناسيــــــــــــــاً * ولكن شراعي في مراسيه يرزح
وقد شاخت الأحلام وشخت بينهـــــــــا * فلا زهرة في المنحـنى تتفتـــــــح
فأين المراعي الخضر والسحب والصَّبا * ولهو صبانا والشبـاب الموشــح
أقلب في الأسماء والعيد ناظــــــــــري * فلا أبصـر المضمون والجد يمزح

3- ومنهم الأستاذ عبد الرحمن المنير المساعد الذي يجتمع معه في حديقته والذي رثى الوالد رحمه الله في مرثية تدل على شاعرية مرهفة تقدم طرفاً منها ، فقال :
عليك أبا سامي أصارع زفـــــــرة * تسوق الردى من حيث داوي طبيبها
خسرناك يا وجه المرؤة والنــدى * ويا رافــع الغايات عمـا يريبهــــــــــا
خسرناك استاذاً وحامل رايــــــة * تــدور رحاها كيف شـاء لبيبهـــــــــــا
قرابة نصف القرن والليل شعلة * تلظـى على رأس اليفـاع لهيبهــــــــــا
تنافح بالإيمان عن مجـد أمــــــة * عوى مـن وراء السّد للشاة ذيبهــــــا
لعل الذي فيها سماديـر غفـــوة * وعمّـا قليـل تستقيـم دروبهـــــــــــــــــا
بأي كتاب يخفر الحفل صوتـــــه * وأنـت المعـاني ربّهـا وربيبهـــــــــــــــا

4- ومنهم الأستاذ الفاضل الوفيّ حسين مبارك الفايز الذي رثى الوالد رحمه في مرثية منها :
كم كنت فينا أبا سامي أخا ثقـــــة * وكنت أستاذنا إن سائل ســــــألا
من للقوافي أبا سامي ينسقهـــا * إن عنّ أمر من الأحداث أو أفــــلا
يا راحـلاً وعتاباً كنت تحملـــــــــــه * عذراً فعتبك في الأحشاء قد نزلا
راح الصحاب فكل بات منشغـــــلاً * فما عتابك مشغولاً قد انشغـــــلا
قد كنت أهفو إلى لقياك في أمل * إني أراك بثوب العز مشتمــــــــــلاً
لكنه القدر المحتوم ليس لنــــــــا * أدنى خلاص إذا ما حل أو نـــــــزلاً

5-الأستاذ عبد الرحمن العبد الله الهقاص قال أبو زياد الذي كنت أراه أيام دراستي في الثانوية العامة لكنه لم يدرسني لأنه كان يدرس القسم الأدبي في وقتي لكن كان يترامى على أسماعنا ثناء زملائنا الطلاب عليه ، فقد قال في رثاء الوالد : (عبدالله الحمد السناني (أبو سامي) الأستاذالشاعر المربي عرفته معلماً لي في المدرسه السعوديه الابتدائيه في عنيزه ثم صديقاً وزميلاً موظفاً في الثانويه العامه في عنيزه تربع على عرش الشعر الفصيح، له منهج واضح في الشعر العامي كانت الثانويه العامه شبه منتدى لتبادل الفكاهات المقطوعات والقصائد الجاده توفي رحمه الله
في أواخر الشهر المحرمعام 1409هـ ولا أقول إني أرثيه فهو أكبر من أن يحيط به رثائي ولكنها ذكرى حزينـه". فكان مما قال في رثائه جزاه الله خيراً :
هو فارس الشعر هو راسه وخَيَّالـــــه * ميدان الابداع تفخر فيه الايَّامــــي
الشعر باللَّهْجه الفصحى يخَلَّى لــــــه * من مِلْهِم الشعر فاز ابْسِرّالالْهَامي
بالموهبه قَيَّد التاريخ بِحْبَالـــــــــــــــــه * وِبْسَاحة الشعر حَطَّم كلالارْقَامـي
لو عاش في صَفْوةَ الماضي مَعَ اجْيَاله * مازاد عنه الفرزدق وبُوتمامــــــي
والشعر في لَهْجِةَ الشَّعْبِي على بالـه * ان زار جَوِّه تِسَيَّد فيه الى حامـــــي
ابن شريم ان ذكرته يِبْرِم القَالــــــــــــه * وابن دويرج بلا تعليق وِخْصَامـــي
معشعر ابو ماجد اللي صارَ له هالـــــه * تبقى المشاهير عامٍ يَتْبِعه عامـي
هو مِثْلهم فيفنون الشعر واشكالــــــه * يَسْبِق بحُبّ العرب وِهْمُوم الاسلامي
فَقْدِه مصيبه عسى الله يَرْحَم الحالـــه * وِيْضَاعف اجره ويَمْحَى عنه الآثَامي
يَفْسَح له القبر مَدَّ الشُّوف عن جالــــه * يارب تكتب له الرحمه والاكْرَامــــي
مِنِّي صلاةٍ على المختار مَعْ آلـــــــــــــه * وَارْدِف سلامي عَدَد سِيرٍ بالاقْدَامي

عضو جديد








* أصدقاء الشعر : الحقيقة أنه لا أظــــن لمثلي أن يحيط بهؤلاء الأصدقاء خاصة في تأريخ الوالد القديم فهو موضوع أكبر مني ، وكذلك من كان منهم بعد رحيلي إلى الرياض في آخر أربع سنوات غاب عني الكثير من الأحداث التي عايشها الوالد رحمه الله ، وحينما تقرأ لبعض الأدباء الذين عاشوا قديماً في عنيزة ممن قدر لهم أن يكتبوا إشارات عن تأريخ أدبها فإنك تجد شذرات متناثرة هنا وهنا فتستشف منها أن هناك أموراً غائبة كثيرة تحتاج إلى خريت أدب ليجمعها من أفواه الرجال وليس لها إلا الأدباء والمؤرخون ، ولكن أين هم ؟ فانظر على سبيل المثال ما جاء في جريدة الجزيرة الثقافية في يوم الأثنين 25 /رجب/1424 العدد(29) تحت موضوع (خواطر مرسلة عبدالله بن إبراهيم الجلهم رحمهالله رتّبها وأعاد تبويبها وهيأها للنشر في المجلة الثقافية الأستاذ الدكتور عبدالكريم بن محمد الأسعد أستاذ النحو والصرف والبلاغة سابقاً بجامعة الملك سعود.الأستاذ سعد بن ابراهيم أبو معطي) حين يقول : "شارك «أبو ساطي» رحمه الله وأرضاه خلال عمله بعنيزة مشاركاتٍ أدبية بارزة في ميدان الأدب شعره ونثره ، وفي تلك الأيام كان للأدب بين الشباب جولاتٍ وصولات لم تحدَّ منها ولم تعل عليها ميادينُ" الكرة والأقدام" فكان للفقيد الغالي إسهامات شعريةٌ رفيعة وردود وتعليقات أدبيةكان يقدمها في ميدان «النادي الثقافي» طيَّب الله ذكره وعلى منصة «النادي الأدبي» بالمعهد ... وكانت لمقطوعاته الشعرية وقصائده نفحةٌ حزينة تجلو بتاريخه وتترجم آلامه ومعاناته بحيث يكون كما عبّر عن نفسه "كأنني بعد تننُّسي بها خرجت من معتقلٍ مظلم الى جنبات حديقة مورده".. شارك في النادي بقصيدته "السِّينية" التي أهداها إلى الذين يسامرون نجوم الليل والخليُّون نُوَّمُ ويتقلبون في أتون الأحزان والأسى وسواهم لا يحسون تبعات الحياة ولأدائها!!.. وقد جاء من حسن القصيدة الحراء ما يلي:
(كلَّما فاضت الهموم بكأسي
أتأسَّى وليس يجدي التأسِّي
أحتسي من كؤوسها كل صابٍ
علقم طافحٍ بآلام نفسي
كلَّما أقلعت مراكبُ منها
إذْ بأخرى أشدُّ منهن تُرسى(!!!
أثارت هذه القصيدة التي تبلغ 27 "بيتاً" زوبعة أدبيةً وفكرية تجسّدت في المعارضات الشعريّة التي أوحت بها وأيقظت شجونها .. فقد عارضها كاتب هذه السطور بقصيدة منها:
(زدني يا سعدُ من شجونك زدني
فلقد فاض بالمرارة كأسي
أنت في لجة الحياةِ مُعنّىً
بهمومٍ "وما أبرئ نفسي"
فيك ما في جوانحي من وجومٍ
فضَّة الوطء مثقلاتٍ بيأسي)
وعارضهاالشاعر المرحوم الأستاذ عبد الله الحمد السناني بقصيدةٍ شجية منها:
(آه يا دهرُ قد تلقيت درسي
واعياً قبلما نعومةِ خَمسِ
قلب الدهرُ لي المجنَّ مفيداً
حالك اللون مثل غربيب عبسِ
يا خليليَّ واطويا صفحة الحزن
فعقبى الظلامِ إشراقُ شمسِ)
وعارض الثلاثة شاعرٌ رابع هو الأديب الأستاذمحمد الحمد السليم أمير عنيزةالحالي بقصيدة مشجية لا تحتفظ الذاكرةُ منها بشيء للأسف"أ.هـ. لكن ممن أعرف وهم قليل جداً من المتأخرين :
1- الأستاذ محمد البراهيم السلمان رحمه الله الذي كان بينه وبين الوالد في آخر عمر الوالد قصائد كل منهما يشتكي للآخر بالشعر الشعبي ، ومن ذاك ما قال له الوالد في مطلع قصيدة شعبية قبل وفاته بسنة واحده تقريبًا في 28/2/1408هـ:
سر يا قلم وانشر مطاوي كنينها*في نفس محرور لحْيْــــــــد يعينهـا
لمحمد السلمـان ذرب المعاملـة* مبارك في زين الليـالي وشينهــــا
وفصّل لبوبراهيم ماجـرّح الحشا*ولو كان من شكواك مثلك طعينهـا
حتى قال :
بلاني بتال الوقت من هان واجبي * شقي نفسٍ حر خطو نذلٍ يهينهـــــا
تمثنيت بايامي بستر وسلامـــــــة * ولا ناب ملفاها ولا ذاب حينهــــــــا
وعيبي حياي وعلتي طيب الربــــا * ولي شيمة عيّت تقبـل عطينهــــــــا
ربينا مع اجواد تنحوا وودعـــــــــــوا * خلفهـم هثيـل ليتنا سابقينهــــــــا
ولا صار مقبلهم مثل حاضرينهــــم *عسى البيض فصي ما يدورج جنينها
ولعل هذه القصيدة كانت بعد المضايقة التي تعرض لها الوالد في عمله فقدم على إثرها تقاعده بقرينة وقوعهــا بنفس شهر التقاعد ، أو لأن الوالد ــ وهو الأظهر عندي ــ أراد من شخص معروف حقاً مالياً وكان بضائقة شديدة فتطــاول عليه وواجهه بكلام سوقي قذر كما قاله لي الوالد رحمه الله بنصه ، وقد قالت لي الوالدة حفظها الله عن أيامه تلك مع هذا الرجل أنه كان لا ينام الليل وإذا نام فإنه يزفر في نومه بحرقه. ولمّا أراد الوالـد أن يشتكيه وابتدأ في ذلك لمته رحمه الله لمّا زارنا في الرياض في أيام زواجي : بأنك قد صبرت في شبابك وأحلك أيامك على أمرّ من ذلك صيانة لنفسك ، والآن في آخر عمرك تنزل نفسك منزلة هؤلاء الرعاع ، وأظنه قال في ذلك :
أنا وردة عزلاء تنفـــــح * بالعبـير لمـن عـــبــر
أنا نحلة في شهدهــا * الممنوح قد رمت الأبــر
أنا هكـــذا لكنـــنـــــي * في ذاك موفور الخطــر
فكرامتي مثل الحمـى * ما مسـه غـير المــطــر
يا ظالمي ليس الحطـا * م كـرامةً يـاذا الأشــــر
لكرامتي لا أطـاولـــــك * الخصـــومة ياغُــــــدَر
أنا لا أجيد كما تجيــــــد * ولن أنازعــك القــــذر
سأغض طرفي زاهــداً * لأزيح عن نفسي الكدر
وإذا خسرت فمكسبي * شــرفي وأجــر يدّخــــــر
راوغ فإنـــــــــك ثعلـــب * وافخــر فأنـت المنتـصر
ولسوف يحكــم بيننـــــا * قــــاض له عـدل القـدر

2- ابن أخت الوالد رحمه الله الأستاذ صالح الأحمد العثيمين ، الذي كتب قصيدة للوالد رحمه الله بتأريخ 12/12/1403هـ يهنئه بالعيد قال في افتتاحها : "إلى الذي تعلمنا منه كيف تولد الحروف ، وتضيء الكلمات ، وكيف تجود المواسم والفصول : الخال الكريم أبو سامي" وفي ثناياها قال :
ملاعبك الخضراء فينا خميلــــــــة * بها عالم من عالم الحبّ يصـدح
أضعناك لمَّا ضاع منا طريقنـــــــــا * فكيف إلى لقياك نهفوا ونطمــح
وعفوك يا سراً بليـلاتِ عمرنــــــــا * به قد عرفنا كيف نأسى ونفرح
فأنت وإن عزّ اللقـاء حبيبنــــــــــــا * له في قلوب الكلّ عهد ومسرح
عرفناك في الروح الكريم وفيضها * وفي الباقيات الغَر كفّاك تمنـــح
تهانيَّ يا جيلاً من الحب قـائمـــــــاً * يطـير به حـبٌّ إليك مجنــــــــــحّ
فرد عليه الوالد بقصيدة منها :
تلاقت بجو العيد أجنحة الهـــــــــــــوى * فسر اغترابي زاجل منك يفصــح
ولم أدر أن العيد مرّ بخيمتــــــــــــــــي * سوى أن أوتاراً بكفيك تصـــــــدح
تنغم روحًا قد صفى فيك جوهــــــــــراً * كأنغام غيث الوسم والأرض تكلح
أبا خالد ذكرت من ليس ناسيــــــــــــــاً * ولكن شراعي في مراسيه يرزح
وقد شاخت الأحلام وشخت بينهـــــــــا * فلا زهرة في المنحـنى تتفتـــــــح
فأين المراعي الخضر والسحب والصَّبا * ولهو صبانا والشبـاب الموشــح
أقلب في الأسماء والعيد ناظــــــــــري * فلا أبصـر المضمون والجد يمزح

3- ومنهم الأستاذ عبد الرحمن المنير المساعد الذي يجتمع معه في حديقته والذي رثى الوالد رحمه الله في مرثية تدل على شاعرية مرهفة تقدم طرفاً منها ، فقال :
عليك أبا سامي أصارع زفـــــــرة * تسوق الردى من حيث داوي طبيبها
خسرناك يا وجه المرؤة والنــدى * ويا رافــع الغايات عمـا يريبهــــــــــا
خسرناك استاذاً وحامل رايــــــة * تــدور رحاها كيف شـاء لبيبهـــــــــــا
قرابة نصف القرن والليل شعلة * تلظـى على رأس اليفـاع لهيبهــــــــــا
تنافح بالإيمان عن مجـد أمــــــة * عوى مـن وراء السّد للشاة ذيبهــــــا
لعل الذي فيها سماديـر غفـــوة * وعمّـا قليـل تستقيـم دروبهـــــــــــــــــا
بأي كتاب يخفر الحفل صوتـــــه * وأنـت المعـاني ربّهـا وربيبهـــــــــــــــا

4- ومنهم الأستاذ الفاضل الوفيّ حسين مبارك الفايز الذي رثى الوالد رحمه في مرثية منها :
كم كنت فينا أبا سامي أخا ثقـــــة * وكنت أستاذنا إن سائل ســــــألا
من للقوافي أبا سامي ينسقهـــا * إن عنّ أمر من الأحداث أو أفــــلا
يا راحـلاً وعتاباً كنت تحملـــــــــــه * عذراً فعتبك في الأحشاء قد نزلا
راح الصحاب فكل بات منشغـــــلاً * فما عتابك مشغولاً قد انشغـــــلا
قد كنت أهفو إلى لقياك في أمل * إني أراك بثوب العز مشتمــــــــــلاً
لكنه القدر المحتوم ليس لنــــــــا * أدنى خلاص إذا ما حل أو نـــــــزلاً

5-الأستاذ عبد الرحمن العبد الله الهقاص قال أبو زياد الذي كنت أراه أيام دراستي في الثانوية العامة لكنه لم يدرسني لأنه كان يدرس القسم الأدبي في وقتي لكن كان يترامى على أسماعنا ثناء زملائنا الطلاب عليه ، فقد قال في رثاء الوالد : (عبدالله الحمد السناني (أبو سامي) الأستاذالشاعر المربي عرفته معلماً لي في المدرسه السعوديه الابتدائيه في عنيزه ثم صديقاً وزميلاً موظفاً في الثانويه العامه في عنيزه تربع على عرش الشعر الفصيح، له منهج واضح في الشعر العامي كانت الثانويه العامه شبه منتدى لتبادل الفكاهات المقطوعات والقصائد الجاده توفي رحمه الله
في أواخر الشهر المحرمعام 1409هـ ولا أقول إني أرثيه فهو أكبر من أن يحيط به رثائي ولكنها ذكرى حزينـه". فكان مما قال في رثائه جزاه الله خيراً :
هو فارس الشعر هو راسه وخَيَّالـــــه * ميدان الابداع تفخر فيه الايَّامــــي
الشعر باللَّهْجه الفصحى يخَلَّى لــــــه * من مِلْهِم الشعر فاز ابْسِرّالالْهَامي
بالموهبه قَيَّد التاريخ بِحْبَالـــــــــــــــــه * وِبْسَاحة الشعر حَطَّم كلالارْقَامـي
لو عاش في صَفْوةَ الماضي مَعَ اجْيَاله * مازاد عنه الفرزدق وبُوتمامــــــي
والشعر في لَهْجِةَ الشَّعْبِي على بالـه * ان زار جَوِّه تِسَيَّد فيه الى حامـــــي
ابن شريم ان ذكرته يِبْرِم القَالــــــــــــه * وابن دويرج بلا تعليق وِخْصَامـــي
معشعر ابو ماجد اللي صارَ له هالـــــه * تبقى المشاهير عامٍ يَتْبِعه عامـي
هو مِثْلهم فيفنون الشعر واشكالــــــه * يَسْبِق بحُبّ العرب وِهْمُوم الاسلامي
فَقْدِه مصيبه عسى الله يَرْحَم الحالـــه * وِيْضَاعف اجره ويَمْحَى عنه الآثَامي
يَفْسَح له القبر مَدَّ الشُّوف عن جالــــه * يارب تكتب له الرحمه والاكْرَامــــي
مِنِّي صلاةٍ على المختار مَعْ آلـــــــــــــه * وَارْدِف سلامي عَدَد سِيرٍ بالاقْدَامي

hael1 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
hael1 غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 2009, 09:33 PM   [6]
عضو جديد








* قصة الديوان : كان رحمه الله يفكر في طباعة ديوانه ويمني نفسه دون أن يقرن ذلك بالعمل ، وهو في ذلك على مرحلتين :
* الأولى في أول الأمر قديماً فلا أدري تحديداً لماذا لم ينشط الوالد لذلك ؟ مع أنه كان يحرص في كثير من الأحيان على نشر قصائده في الجرائد المحلية ، إلا أني أعزوه لأسباب منها :
(1) أن الوالد رحمه الله لم يكن يرى من يحتفي بشعره حتى من أهل بلدته بل ربما رأى جفاءً متعمداً من البعض ، حتى إنني لمّا حدثته ــ وأنا في مقيم في مدينة الرياض ــ بعودتي لعنيزة نصحني بعدم العودة معللاً بأمر لن أذكره ، وفحواه أنك إن أردت النجاح فكن بعيداً عن عنيزة ، لكني رجعت بعد موته رحمه الله لأجل والدتي حفظها الله. وحتى في المهرجانات الأخيرة كرموا شعراء قد لا يسير بعضهم في مضمار الوالد رحمه الله في الشعر والثقافة والمكانة ، إضافة إلى أنه كان لسانهم وخطيبهم في المجامع الكبيرة في حياته كما ذكرت في أول الترجمة ، لكني عزوت السبب هذه المرة ــ والله أعلم ــ لكون المسؤول عن تنسيق التكريم في المهرجان له موقف سيء مع الوالد رحمه الله كما سمعته من الوالد حين كان هذا الرجل مسؤولاً في الشركة التي تولت بناء بيت الوالد ، وهو البيت الوحيد الذي بناه في حياته ففرح به ، ثم لم يلبث إلا قليلاً حتى تقشرت صبغته وتشققت جدرانه بشكل عميق ، ومات رحمه الله بحسرته والبيت على هذه الحال لأنه لم ينته معهم إلى حل. وفي مثل هذا الأمر يقول الوالد رحمه الله بقصيدة جزلة بعنوان "الأمانة والإنسان" :

ما كل من حمل الأمانة صانها * يا ويحها كم كذّبت إنسانهـــا
قُتلت كرامتها وكلُّ يدّعــــــي * عند التظاهر سبقه فرسانها
ولطالما انخدعت بعصمة مدعٍ * حتى إّذا بلغ المآرب خانهــــا

(2) كذلك أذكر أنه رحمه الله قال لي ذات مرة عن بعض القائمين على الصفحات الأدبية في الصحف : أنهم كانوا يتثاقلون وربما يمتنعون عن نشر شعره ، مع أن بعض القائمين عليها من عنيزة آنذاك. فلعل هذا مما زاد في إحباطه. وبعضهم سامحه الله ممن تقلد بعد وفاته رحمه الله الدعوة لطبع ديوانه على صفحات الجريدة ، لكن بعدما أضاعوا صاحب الديوان في حياته.
(3) كذلك ما كان منه رحمه الله من نقص الخبرة في أمور الطباعة تلك الأيام مع قلة ذات اليد التي كانت حاجزاً في كثير من أموره التي كان يخطط لها في الشعر وغيره.
(4) أنه رحمه الله كان يحتقر نفسه كثيراً ، ولذا لمّا عرض عليه بعض طلاب الماجستير أن يكتب عنه رسالة أكاديمية أبى رحمه الله متعللاً بأنه لا يرى نفسه أهلاً لذلك.
* أما في آخر حياته فعرض له أمر جديد وهو خوفه من أن يكون في شعره ما يلحقه إثمه بالآخرة ، ولذا كان يكرر كلما سأله أحد عن طبع ديوانه أنه سيراجعه لإعداد ما يصلح للنشر منه ، فقد ذكر الأستاذ الدكتور حسن الهويمل في جريدة الجزيرة بتأريخ 7/4/1409هـ بعد وفاة الوالد رحمه الله برسالة نشرت في الجريدة أنه سبق أن عرض على الوالد رحمه الله ذلك فقال : (تبلغ النادي خبر وفاة الشاعر عبد الله الحمد السناني رحمه الله ، وبما أنه مــــن الشعراء المعدودين في شعراء المملكة والبارزين في منطقة القصيم ، وقد سبق وطلب النادي من الراحل نشر شعره فوعد بإعداده للنشر.."أ.هـ. وفي مرض موته زاره في المستشفى العسكري أحد شعراء عنيزة الشباب آنذاك وهو من سكان الرياض أظنه الأخ الأديب "السماعيل" إن لم تخني الذاكرة ، فطلب من الوالد رحمه الله أن يخرج شعره لأجل أن يطبع في ديوان فقال له لوالد بما معناه : إذا عافاني الله تعالى ، فسأعد ما أرى نشره ، وأحرق ما لا يصلح ، فقال له الأخ : لا تفعل يا أبا سامي! لأجل أن تدرس مراحل شعرك كلها ، فقلت له أنا : إذا كان الشاعر يقول في الغضب ما يخشى أن يلحقه أثمه في الآخرة فما تفيده دراسة شعره ، فسكت. وكان الوالد رحمه الله يكرر عبارة عزمه على تنقيح شعره كلما سئل عن ديوانه في آخر حياته ، بل لاحظت أنه كان يحرص على تنبيهي بأن لديه قصائده في الزهد والرثاء فرأيت أنه يعرض لي بنشرها ، فأشرت على الدكتور طارق الحبيب وكان طالباً آنذاك فأجرى معه حواراً نشره في حينه في رسالة جامعة الملك سعود ، ثم في مقالة بعنوان "السناني في ذمة الله" في الجزيرة في العدد "5828" في الأول من شهر صفر سنة (1409هـ) ، وفي شعره يقول الوالد رحمه الله مشيراً لما قدمت من الجفاء الذي شعر به :

هاكم شعري رصينا * حاولوا أن تقـرؤوه
ولكـم فيــه خيــــــار * ولكم أن ترفضــوه
فإذا جاز لديكـــــــــم * فاقبلـوه وافهمـوه
وإذا لـم تقبلـــــــــوه * فعلى الرف ضعوه
ربما يخلق قــــــــومٌ * ســرهم أن يقتنوه
في زمان أو مكــــان * قولهـم لا فضّ فوه
كم أديب ساء حظـــاً * بين جيل عاصـــروه
ذنبه جاء أخــــــيــــراً * دون ركب سبقـــوه
أو أتى أسرع سيـــراً * قبل جيلٍ خلـــفــوه

* أما المقالات والكتب : فليس للوالد رحمه الله كتباً ألفها ، وإنما أعرف أن له مقالات كتبها وأذيع بعضها في الإذاعة نشرت إحداها "صحيفة الجزيرة" يوم الأثنين 1/8/1426هـ بعنوان "الدين الإسلامي هوالدين الأوحد" جاء فيه : "ولقد كانت بعض بلادنا النجدية قبل أن يأتي إليها المرشد العظيم الشيخ محمد بن عبدالوهاب شبيهة بها قبل الإسلام فهي مضربة تملؤها الفوضى ويكتنفها الشرور وتسيطر عليهاالنزعات الجاهلية المحضة، فحين قرّ الدين في روعها واستنارت به حصاتها تطورت تطوراًعجيباً فأنجبت العلماء الأفاضل والحكام الراشدين، وعم الأمن والوئام، وفي بلادنااليوم والحمد لله أكبر برهان على ذلك فهي تتمتع بما جعلها محل غبطة كل البلدانالعربية وغيرها وما ذلك إلا بفضل الدين على أيدي القائمين بخدمته والساعين إلىاتخاذه كدستور سماوي خطير كامل. فما أجدرنا أيها السادة المستمعون أن نحتفظبديننا الذي هو عصمة أمرنا وأن نحوط ملكنا بسياجه المتين فلقد ذاق بعض أسلافنا وجلحاضرنا بإضاعة الأمرين فلم يحوزوا الدنيا ولم يحفظوا الدين، فتوالت النكبات وواجهتهم المصاعب التي لقي آباؤنا من قبل أفدح منها فذللوها بفضل إيمانهم وتغلبواعليها مع أنهم لم يصلوا إلى بعض قوات وعدد الوقت الحاضر، فمصروا الأمصار وفتحواالمدن ورفعوا علم الإسلام على مفرق كل عاصمة وحصن، ولقد يصاب الأعداء من رعبهم أعظممما تبعثه اليوم المدافع الرشاشة والثقيلة والدبابات والقنابل الخ، وكان موقفخصومهم وما أسوأه من موقف بين أمرين : إما أن يعتنقوا الإسلام ويتركوا أديانهم وماذلك عليهم بيسير ، وإما أن يدفعوا الجزية وهم صاغرون. أفلا يجب أن تتحرق القلوبمن الأسى إذا أبصرنا أن المادة انعكست فطغت المبادئ الفاجرة التي إنما تعمل لإشباعنفوس شيطانية تعرت من الأخلاق والفضائل ومقومات الحياة الحرة الطاهرة وانبعث بهاأشقى دعاتها ، فما هي إلا أن دوت في الخافقين فوجدت آذاناً مصغية وقلوباً خاليةفتمكنت بسويدائها، واختلطت بشرايينها. ولسنا نخاف على الإسلام أن تنطفئ شعلتهفإن نوره هو الغالب وهو الصامد الباقي إلى قيام الساعة كما أن له أنصاراً يعضونعليه بالنواجذ ويزيدهم طغيان من سواهم قوةً واستمساكاً، ولكننا نخاف من كثير ممن لميرزقوا ثباتاً روحياً وعقولاً سليمةً حرةً تصمد بنفسها أن تخدعهم تلك المظاهرالخلابة فتجد من نفوسهم ميلاً وقبولاً لها فيصبحون فيما بيننا بؤرة فساد وشلل، فهمبذور التفرقة وعنصر الخلاف وإن كانوا متجنسين بجنسنا ، ولكنهم في الواقع أشد خطراً منالأجانب البعداء." فرحمه الله كأنه يتحدث عن واقعنا اليوم.
والظاهر أنه لو تتبع أحد هذه الكتابات للوالد في الصحف وغيرها لوجد أكثر لأن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام عضو هيئة كبار العلماء رحمه الله وهو المؤرخ الكبير وصف الوالد رحمه الله في كتابـه "علماء نجد فـــي ثمانية قرون (2/88) بأن له كتابات بليغة حين قال : "فصار من كبار شعراء نجد المعاصرين ، وكان اطلاعه وإدراكه من كثرة قراءته وملازمته الكتــب المفيـــدة في القراءة الحرة ، وزاول المترجم مهنة التدريس فصـــار محبوباً من زملائه ومن تلاميذه لحسن أخلاقه وكمال سلوكــــه وطيب حديثه ، ولـــــه قصائد جيـاد ، وكتابـــات بليغة"أ.هـ.

عضو جديد








* قصة الديوان : كان رحمه الله يفكر في طباعة ديوانه ويمني نفسه دون أن يقرن ذلك بالعمل ، وهو في ذلك على مرحلتين :
* الأولى في أول الأمر قديماً فلا أدري تحديداً لماذا لم ينشط الوالد لذلك ؟ مع أنه كان يحرص في كثير من الأحيان على نشر قصائده في الجرائد المحلية ، إلا أني أعزوه لأسباب منها :
(1) أن الوالد رحمه الله لم يكن يرى من يحتفي بشعره حتى من أهل بلدته بل ربما رأى جفاءً متعمداً من البعض ، حتى إنني لمّا حدثته ــ وأنا في مقيم في مدينة الرياض ــ بعودتي لعنيزة نصحني بعدم العودة معللاً بأمر لن أذكره ، وفحواه أنك إن أردت النجاح فكن بعيداً عن عنيزة ، لكني رجعت بعد موته رحمه الله لأجل والدتي حفظها الله. وحتى في المهرجانات الأخيرة كرموا شعراء قد لا يسير بعضهم في مضمار الوالد رحمه الله في الشعر والثقافة والمكانة ، إضافة إلى أنه كان لسانهم وخطيبهم في المجامع الكبيرة في حياته كما ذكرت في أول الترجمة ، لكني عزوت السبب هذه المرة ــ والله أعلم ــ لكون المسؤول عن تنسيق التكريم في المهرجان له موقف سيء مع الوالد رحمه الله كما سمعته من الوالد حين كان هذا الرجل مسؤولاً في الشركة التي تولت بناء بيت الوالد ، وهو البيت الوحيد الذي بناه في حياته ففرح به ، ثم لم يلبث إلا قليلاً حتى تقشرت صبغته وتشققت جدرانه بشكل عميق ، ومات رحمه الله بحسرته والبيت على هذه الحال لأنه لم ينته معهم إلى حل. وفي مثل هذا الأمر يقول الوالد رحمه الله بقصيدة جزلة بعنوان "الأمانة والإنسان" :

ما كل من حمل الأمانة صانها * يا ويحها كم كذّبت إنسانهـــا
قُتلت كرامتها وكلُّ يدّعــــــي * عند التظاهر سبقه فرسانها
ولطالما انخدعت بعصمة مدعٍ * حتى إّذا بلغ المآرب خانهــــا

(2) كذلك أذكر أنه رحمه الله قال لي ذات مرة عن بعض القائمين على الصفحات الأدبية في الصحف : أنهم كانوا يتثاقلون وربما يمتنعون عن نشر شعره ، مع أن بعض القائمين عليها من عنيزة آنذاك. فلعل هذا مما زاد في إحباطه. وبعضهم سامحه الله ممن تقلد بعد وفاته رحمه الله الدعوة لطبع ديوانه على صفحات الجريدة ، لكن بعدما أضاعوا صاحب الديوان في حياته.
(3) كذلك ما كان منه رحمه الله من نقص الخبرة في أمور الطباعة تلك الأيام مع قلة ذات اليد التي كانت حاجزاً في كثير من أموره التي كان يخطط لها في الشعر وغيره.
(4) أنه رحمه الله كان يحتقر نفسه كثيراً ، ولذا لمّا عرض عليه بعض طلاب الماجستير أن يكتب عنه رسالة أكاديمية أبى رحمه الله متعللاً بأنه لا يرى نفسه أهلاً لذلك.
* أما في آخر حياته فعرض له أمر جديد وهو خوفه من أن يكون في شعره ما يلحقه إثمه بالآخرة ، ولذا كان يكرر كلما سأله أحد عن طبع ديوانه أنه سيراجعه لإعداد ما يصلح للنشر منه ، فقد ذكر الأستاذ الدكتور حسن الهويمل في جريدة الجزيرة بتأريخ 7/4/1409هـ بعد وفاة الوالد رحمه الله برسالة نشرت في الجريدة أنه سبق أن عرض على الوالد رحمه الله ذلك فقال : (تبلغ النادي خبر وفاة الشاعر عبد الله الحمد السناني رحمه الله ، وبما أنه مــــن الشعراء المعدودين في شعراء المملكة والبارزين في منطقة القصيم ، وقد سبق وطلب النادي من الراحل نشر شعره فوعد بإعداده للنشر.."أ.هـ. وفي مرض موته زاره في المستشفى العسكري أحد شعراء عنيزة الشباب آنذاك وهو من سكان الرياض أظنه الأخ الأديب "السماعيل" إن لم تخني الذاكرة ، فطلب من الوالد رحمه الله أن يخرج شعره لأجل أن يطبع في ديوان فقال له لوالد بما معناه : إذا عافاني الله تعالى ، فسأعد ما أرى نشره ، وأحرق ما لا يصلح ، فقال له الأخ : لا تفعل يا أبا سامي! لأجل أن تدرس مراحل شعرك كلها ، فقلت له أنا : إذا كان الشاعر يقول في الغضب ما يخشى أن يلحقه أثمه في الآخرة فما تفيده دراسة شعره ، فسكت. وكان الوالد رحمه الله يكرر عبارة عزمه على تنقيح شعره كلما سئل عن ديوانه في آخر حياته ، بل لاحظت أنه كان يحرص على تنبيهي بأن لديه قصائده في الزهد والرثاء فرأيت أنه يعرض لي بنشرها ، فأشرت على الدكتور طارق الحبيب وكان طالباً آنذاك فأجرى معه حواراً نشره في حينه في رسالة جامعة الملك سعود ، ثم في مقالة بعنوان "السناني في ذمة الله" في الجزيرة في العدد "5828" في الأول من شهر صفر سنة (1409هـ) ، وفي شعره يقول الوالد رحمه الله مشيراً لما قدمت من الجفاء الذي شعر به :

هاكم شعري رصينا * حاولوا أن تقـرؤوه
ولكـم فيــه خيــــــار * ولكم أن ترفضــوه
فإذا جاز لديكـــــــــم * فاقبلـوه وافهمـوه
وإذا لـم تقبلـــــــــوه * فعلى الرف ضعوه
ربما يخلق قــــــــومٌ * ســرهم أن يقتنوه
في زمان أو مكــــان * قولهـم لا فضّ فوه
كم أديب ساء حظـــاً * بين جيل عاصـــروه
ذنبه جاء أخــــــيــــراً * دون ركب سبقـــوه
أو أتى أسرع سيـــراً * قبل جيلٍ خلـــفــوه

* أما المقالات والكتب : فليس للوالد رحمه الله كتباً ألفها ، وإنما أعرف أن له مقالات كتبها وأذيع بعضها في الإذاعة نشرت إحداها "صحيفة الجزيرة" يوم الأثنين 1/8/1426هـ بعنوان "الدين الإسلامي هوالدين الأوحد" جاء فيه : "ولقد كانت بعض بلادنا النجدية قبل أن يأتي إليها المرشد العظيم الشيخ محمد بن عبدالوهاب شبيهة بها قبل الإسلام فهي مضربة تملؤها الفوضى ويكتنفها الشرور وتسيطر عليهاالنزعات الجاهلية المحضة، فحين قرّ الدين في روعها واستنارت به حصاتها تطورت تطوراًعجيباً فأنجبت العلماء الأفاضل والحكام الراشدين، وعم الأمن والوئام، وفي بلادنااليوم والحمد لله أكبر برهان على ذلك فهي تتمتع بما جعلها محل غبطة كل البلدانالعربية وغيرها وما ذلك إلا بفضل الدين على أيدي القائمين بخدمته والساعين إلىاتخاذه كدستور سماوي خطير كامل. فما أجدرنا أيها السادة المستمعون أن نحتفظبديننا الذي هو عصمة أمرنا وأن نحوط ملكنا بسياجه المتين فلقد ذاق بعض أسلافنا وجلحاضرنا بإضاعة الأمرين فلم يحوزوا الدنيا ولم يحفظوا الدين، فتوالت النكبات وواجهتهم المصاعب التي لقي آباؤنا من قبل أفدح منها فذللوها بفضل إيمانهم وتغلبواعليها مع أنهم لم يصلوا إلى بعض قوات وعدد الوقت الحاضر، فمصروا الأمصار وفتحواالمدن ورفعوا علم الإسلام على مفرق كل عاصمة وحصن، ولقد يصاب الأعداء من رعبهم أعظممما تبعثه اليوم المدافع الرشاشة والثقيلة والدبابات والقنابل الخ، وكان موقفخصومهم وما أسوأه من موقف بين أمرين : إما أن يعتنقوا الإسلام ويتركوا أديانهم وماذلك عليهم بيسير ، وإما أن يدفعوا الجزية وهم صاغرون. أفلا يجب أن تتحرق القلوبمن الأسى إذا أبصرنا أن المادة انعكست فطغت المبادئ الفاجرة التي إنما تعمل لإشباعنفوس شيطانية تعرت من الأخلاق والفضائل ومقومات الحياة الحرة الطاهرة وانبعث بهاأشقى دعاتها ، فما هي إلا أن دوت في الخافقين فوجدت آذاناً مصغية وقلوباً خاليةفتمكنت بسويدائها، واختلطت بشرايينها. ولسنا نخاف على الإسلام أن تنطفئ شعلتهفإن نوره هو الغالب وهو الصامد الباقي إلى قيام الساعة كما أن له أنصاراً يعضونعليه بالنواجذ ويزيدهم طغيان من سواهم قوةً واستمساكاً، ولكننا نخاف من كثير ممن لميرزقوا ثباتاً روحياً وعقولاً سليمةً حرةً تصمد بنفسها أن تخدعهم تلك المظاهرالخلابة فتجد من نفوسهم ميلاً وقبولاً لها فيصبحون فيما بيننا بؤرة فساد وشلل، فهمبذور التفرقة وعنصر الخلاف وإن كانوا متجنسين بجنسنا ، ولكنهم في الواقع أشد خطراً منالأجانب البعداء." فرحمه الله كأنه يتحدث عن واقعنا اليوم.
والظاهر أنه لو تتبع أحد هذه الكتابات للوالد في الصحف وغيرها لوجد أكثر لأن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام عضو هيئة كبار العلماء رحمه الله وهو المؤرخ الكبير وصف الوالد رحمه الله في كتابـه "علماء نجد فـــي ثمانية قرون (2/88) بأن له كتابات بليغة حين قال : "فصار من كبار شعراء نجد المعاصرين ، وكان اطلاعه وإدراكه من كثرة قراءته وملازمته الكتــب المفيـــدة في القراءة الحرة ، وزاول المترجم مهنة التدريس فصـــار محبوباً من زملائه ومن تلاميذه لحسن أخلاقه وكمال سلوكــــه وطيب حديثه ، ولـــــه قصائد جيـاد ، وكتابـــات بليغة"أ.هـ.

hael1 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
hael1 غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 2009, 11:07 PM   [7]
عضو جديد








* من تأثر به الوالد في شعره: لا يستطيع أحد أن يحدد من هو الذي أثر على الوالد رحمه الله في شعره إلا بإخباره هو ؛ لأنه رحمه الله كان نهماً في قراءة الشعر العربي في عهوده المختلفة من جاهلي وإسلامي وأموي وعباسي ومعاصر ، فلا شك أن هذه القراءة الواسعة صاغت لدى الوالد رحمه الله أسلوباً يجمع بين الأصالة والمعاصرة في الشعر أهلته لأن يسميه الدكتور الأسعد ـ كما تقدم ـ (أمير الشعر المعاصر) ، فانظر إليه رحمه الله وهو يحيي أحد الشعراء العراقيين ممن وفد إلى عنيزة فمدحها وهو محمد جاسم الكفكير ، فرد عليه الوالد بقصيدة طويلة من عيون الشعر عارض قصيدته قال في مطلعها :

حيتك نجد صباها أو ندى ماهــــا * ورندها وعبير في خزاماهـــــــــــــا
واستقبلتك مهود الشعر باسمة * كأن نــور أقاحيهــا ثنايـاهـــــــــــــــا
وجلجلت زغردات من مضاربهــــا * كأنما عروة قد زف عفراهــــــــــــا
واجهشت بنداها روضــــة أنـــــف * كأدمع كان ذوب الشعر معناهـــــــا
وترجمت فرحة اللقيا لضرتهـــــــا * فجاوبتها هي الأخرى بفحواهــــــــا
وربوة بثت النجوى لجارتهــــــــــــا * فأصبح الروض من روض يلقاهـــا
بأن "مربدها" أوحى لشاعــــــــره * أن يلتقي بحما "الفيحاء" عكاظاها
وتلك أسطورة في سحر معجـــزة * "الرافدان" أطلا من مراياهــــــــــــا
"هزار بغداد" اسعفنا ببوتقــــــــــة * من "سحر بابل" إذ تشدو بليلاهـــا
كيما نصوغ قوافينا مجنحـــــــــــــة * وتجتلي الحس والإلهام دنياهـــــــــا
"عنيزة" وهي في لقياك هانئــــة * "خنساء" لا تبرح الأشجان ذكراهـــا
ما كان أعقبها لقيا واقصــــــــــرها * كذاك قصر ساع العمر أحلاهـــــــــا
أكرومة من يد الدنيا فقد حدســـت * من قبل مقدمكم أنا شكرناهــــــــــــــا

حتى قال :

أبا عصام وللأشعـار نسبتهـــــــــــــا * وشيجة قد تلاقينا بقرباهـــــــــــــــــا
إن المعارف في أهل النهى ذمـــــم * نرعى فضيلتنا أمًّا رعيناهـــــــــــــــــا
إنا لنأمــل تجــــديدا لزورتكــــــــــــم * إن الكريم إذا ما زار ثناهــــــــــــــــــا
غادرت باريس نجد والخطا قـــــــــدر * إلى بلاد روى التأريخ مغناهــــــــــــا
فاقرأ سنابك "زيد الخيل" في أجــــأ * واقرع على حاتم الطائي سلماهـــــــا
وسوف تلقى كراماً ثم قـد ورثــــــــوا * نـــدى وأنديـــة طلقــاً محياهــــــــــــا
قومــاً يــرون لزامـاً حـق ضيفهـــــــم * سجية وكريم الطبع غذاهـــــــــــــــــا
أبلغهم عن بني "الوادي" تحياتهــــم * قصيدة تجمع الأحباب نجواهــــــــــــــا
عنيــزة لــك يا كفكـــير عاشقـــــــــة * إن الغــرام الذي أغراك أغـــــــــــراها
قد أوكلتــني أن أشدو مشاعـــــرها * وكل مـن يهب الأقدار يعطــاهــــــــــــــا
وقد بثثتك عن بغـداد في كلمــــــي * صبابـتي وسألـت الملتـــقـــــــــــــى الله
وهكذا أحكم التأريخ دورتـــــــــــــــــه * فنحن في عالم العشاق صباهــــــــــــا

* ولقد أبان الوالد رحمه الله أعجابه الشديد بالشاعر "المتنبي" مما يدل على تأثره الشديد والمتناهي به في قصيدة سماها "المتنبي" نذكر منها قوله :

ياسرير البيان يا صهوة الشعــر * وبوح النضوج في ريعانــه
قبل ميلادك الكلام انتحاـــــــــل * وسواسية بشد عنانـــــــــــه
واقتحمت الميدان تحدوا إمامــا * فتجلى الأستاذ في فتيانـــــه
أنت روضت للمعاني القوافــي * والمعــــاني بأســـرها لبيانـه
وسماء الوجدان حلقت فيــــــه * حين تاه الإبداع في وجدانـــه
كتب الدهر فيك أطروحة الفخـــ* ــر فأنت الأستاذ في مهرجانه
سيدي بيننا الزمان طـــــــويــل * وصـــداك المُــرنّ في إرنانـــه
لم تزل بيننا تعيــش وتعطــــي * موسمًا والقرون ضمن أوانــــه
أنت قلب الإنسان في كل عصر * ومكان تنــوب عـن خفقانـــــــه
كل بيت كأنمـــا شــع تــــــــــواً * كالسلاف المقصور من أغصانه

* لكن ظهر ــ كذلك ــ تأثر الوالد رحمه الله بأبي العتاهية شاعر المواعظ والحكم خاصة في قصائده الأخيرة ، فقد ذكر الدكتور طارق الحبيب في مقاله القديم عن الوالد أنه أخبره رحمه الله : إن أعظم بيت أعجبه هو بيت أبي العتاهية :

وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد

ولذا يظهر للقارئ لأول وهلة هذا التأثر في شعر الوالد رحمه الله في قصيدته التي قال فيها :

وهل خالق الأكوان يحتاج حجـــة * على ذاته في أن يراه المعانـد
له في كل شيء بالجلالة شاهد * على أنه حي عظيم وواحــــــــد
لكم ضل هذا الطين في أمر ربـه * فلم ينفعل بالنور والطين جامــد

* وفي قصيدة أخرى عنونها بـ "الله" يقول رحمه الله :

يقول المرء هل للكـون رب * وهل كون يكون بغيــر رب
وأية صدفة جاءت بخلــــق * عجيب دون تدبير ولـــــــبِ
أرهم للظواهر ألهــــــوهـا * وأعينهم رأت من غير قلـب
وما شرط المهيمن أن نراه * ولكــن في بصــائرنـا نلبي
وهذا الكون يدعونا إليـــــه * لتعرفه العقول بغير حجـب

* أغراض الشعر عند الوالد رحمه الله: هنا يحسن أن نجيب على ثلاثة أسئلة من أسئلة الإخوة الطلبة عن بعض أغراض الشعر عند الولد رحمه الله : الأول : لماذا كان مقلاً من شعر الغزل ؟ الثاني : هل له قصائد هزلية ، الثالث : هل يقول الشعر الشعبي المسمى بالنبطي : فأقول قبل الإجابة : إن الوالد رحمه الله لم يكن يقول الشعر ترفاً أو فناً كما يفعله غيره ، وإنما كان الشعر عنده رحمه الله رسالة تعبر رأيه في الأحداث التي يعيشها وتعيشها أمته ، ولذا فغالب شعره في قضايا الأمة كتسلط اليهود على فلسطين أو الرافضة على الحرم كما تقدم ذكر بعضه ، أو في التأوه لضعف الأمة وقوة أعدائها ، ولذا فحال الأمة كثيراً ما يصاحبه في شعره فانظر إليه على سبيل المثال وهو يقول :

فكم أرهب الأعداء عملاق أمتي * لذا عاجلوه في صباه لكي يثنى بما عنى
وهم ملكوا كل الأمور فكلمـــــــا * أراد قوام الحـــــال لم يبلغ الشأنـــــــــــا
وقد ركزوا في أرضه من كيادهم * عوائق بثت في عزيمـــــــــته الوهنــــــا
عصور ظالم نامهـــــــا ثم بعدهــا * صحا وإذا بالقيد في جيله قنـــــــــــــــــا
وغالب جرح القيد حينــا ولم يـزل * إلى ألان بعد العتق لم يخلــع القطنـــــــا
فيارب إن كان الهوان جزاءنـــــــــا * فمَنْ بين أهل الأرض لــم يعصِ ومِنَّــا
فعاقبهم دون اعتراض بذلهـــــــم * وقوتنا بالحق كي يقصــــروا عنَّـــــــــــــا
فما نحن إلا أشقياء تمـــــــــــردوا * ولم يبلغوا في جدِّ رشدهم السِّنَّــــــــــــا
و لاتجعل الأشياع تمخــــر بيننــــا * يبادل بعض بعضنا البأس والضِغنـــــــــا
أقوام مقام العَوْذ من جاهليـــــــة * على مستوى الدولات تطحننا طحنـــــــــا
بقومية أ مذهب أو سياســــــــــة * لها نعرات تقتل العقل والذهنـــــــــــــــــــا
إليك إلهي آهة كم حبســــــــــتها * ولكنها فاضت تناشدك الحسنــــــــــــــــى
فأنت الذي أكرمتنا بمحمـــــــــــــد * وبالبيت فاشمل منه أصقاعنا آمنـــــــــــا
فقد نزلت في الأرض منك مشيئة * تزلزل تدبير الجبابر لا تُثنـــــــــــــــــــــــى
نشاغلهم يارب حتى يســـــلمــــوا * إلى (قيس) أهل القدس بغيته (لبنـــــى)
* ويقول في قصيدة بعنوان "عرج على أطلال يعرب" :
عرج على أطلال يعـــرب * وأذرف على عدنان واندب
لا تــبكـها مـن قـلـة الـدار * والأهـلـــــون أرحــــــــــب
إبك السجايا والأنــــــــوف * الشم والحسب المهــــذب
إبـك الأصـالة بعـــــــــد أن * طارت بها عنقاء معــــرب
وإبك الحياة بسيطــــــــــة * لكنها (شرف) ومطلــــــب
يشدو بهاالراعي الصغيــر * على ترنم كل مضــــــــرب
أواه قد صدىء الحديـــــــد * وكان كالشلال مذهــــــب
خمدت براكين الإبـــــــــــاء * وعهدها كانت تلهــــــــب
وترهل المهر الجواد وغاب * فارسه المجــــــــــــــرب
كغياب موسيقى الصهـــل * على ارتجاز فتى مـــــدرب
حـتى تطـاول للحـمــــــى * ذئـب وسـنور وثـعلـــــــــب
وعلى فراش الغافلــــــين * تعانقت أفعــى وعقــــــرب
طـلع المذنـب والخرافـــــة * في تهافتها تكــــــــــــــذب
لـكنـها فــيمـا بـــــــــــــــدا * أمست على الحبلين تلعب
لا لن أصدق أوأكــــــــــذب * كــل طالـعـنــــا مـذنـــــــب
يا أمتي كـم تقـرئــــــــــين * وما جدى ما كان يكتــــــب
أمسىالكتاب اليعربــــــي * كسفر عجم لم يعــــــــــرب
لـيت القبـور رفـاتهــــــــــــا * كالروض يلوي ثم يخصـب
لـتعـود دولـة أمــــــــــــــــة * غربت وما خلقت لتغــــرب
أواه لو تجدي الشجـــــــون * مقالتي أواه تنحـــــــــــــب
مـاذا أقـول بـواقـــــــــــــــع * الوقت من كفيه يسلــــــب
عـجبي إلـى متفائـــــــــــل * ومن التشاؤم صرت أعجب

* وكذا كان رحمه الله ينتقد أحداث تقع من بعض الناس ناصحاً ومرشداً كالرجل الذي ذهب للندن ونثر الدراهم في الشارع فلما عوتب قال : أردت منهم أن يركعوا لنا كما أركعونا فقال الوالد رحمه الله :
لو شدني عجب لأعجبني الـذي * نثر الدراهم في شوارع لندنــــــــا
مـــــا بين قوم لم يروهـا سبــــة * أن ينحنوا كالانحناء على الجنـــى
لم يحضروا للشرق لو لم يركعـوا * للمال وابتكروا المهــــازل عندنــا
شعب يرون من السذاجة فعلــه * من ذا الذي يطأ النقود وما انحنـــى
ما ضرهم إن زغردوا أو صفقــــوا * ودعوا لحاتمه المبجل بالمــــــنى
أدلى بفلسفة ترود خيالـــــــــــه * وكأنما حسب الرقيّ بما عنـــــــــــى
من أركعونا دورهم أن يركعــــــوا * يا سيدي ليس التشفي من هنـــــا
أنسيت أنك في ربوع بلادهــــــم * كنز يوزع في مصارفها الغنــــــــــى
تسعى برجلك سائحاً متعشقـــا * فتبادل العَرَض الرخيص بأثمنــــــــــا
هم ينتجون وأنت سوق نتاجهــم * هم يعرضون وأنت تشري مذعنـــــا
مهما امتعضت ففي فؤادك عقدة * جعلتك تحقر لو زعمت الموطنـــــــا
يا حاتماً لو كـان ما ألقيتــــــــــــــه * في مصنع أو صرح علم يبتنـــــــى
وأخذت من عدوى القبيح حصانـة * ونقلت عنهم في الحياة الأحسنــــــا
عظمت بلادك في عيون دهائهــم * فرأوك أقرب ما تكون تمدنـــــــــــــــا
ميزان عقلك ما تقوم ببذلــــــــــــه * فاقصد تكون ذاك المهيب الأرزنـــــا
ما كان أرسلك الإله إليهــــــــــــــم * من دون قوم كي تكون المحسنـــــا
إياك في سفهائهم أن تقتــــــــدي * فلجدهم كانوا بزعمك أفطنــــــــــــــــا
فخناهم حرية وحضـــــــــــــــــــارة * لكنها بالأجنبي من الخنــــــــــــــــــا
لو أنت تحمل بينهم جنسيــــــــــــة * صحبوك رغم الانتماء ملونـــــــــــــــا
لا تحسبن أدب المصالح فيهـــــــــم * من أجل شخصك بل لدغدغة الغنــى

عضو جديد








* من تأثر به الوالد في شعره: لا يستطيع أحد أن يحدد من هو الذي أثر على الوالد رحمه الله في شعره إلا بإخباره هو ؛ لأنه رحمه الله كان نهماً في قراءة الشعر العربي في عهوده المختلفة من جاهلي وإسلامي وأموي وعباسي ومعاصر ، فلا شك أن هذه القراءة الواسعة صاغت لدى الوالد رحمه الله أسلوباً يجمع بين الأصالة والمعاصرة في الشعر أهلته لأن يسميه الدكتور الأسعد ـ كما تقدم ـ (أمير الشعر المعاصر) ، فانظر إليه رحمه الله وهو يحيي أحد الشعراء العراقيين ممن وفد إلى عنيزة فمدحها وهو محمد جاسم الكفكير ، فرد عليه الوالد بقصيدة طويلة من عيون الشعر عارض قصيدته قال في مطلعها :

حيتك نجد صباها أو ندى ماهــــا * ورندها وعبير في خزاماهـــــــــــــا
واستقبلتك مهود الشعر باسمة * كأن نــور أقاحيهــا ثنايـاهـــــــــــــــا
وجلجلت زغردات من مضاربهــــا * كأنما عروة قد زف عفراهــــــــــــا
واجهشت بنداها روضــــة أنـــــف * كأدمع كان ذوب الشعر معناهـــــــا
وترجمت فرحة اللقيا لضرتهـــــــا * فجاوبتها هي الأخرى بفحواهــــــــا
وربوة بثت النجوى لجارتهــــــــــــا * فأصبح الروض من روض يلقاهـــا
بأن "مربدها" أوحى لشاعــــــــره * أن يلتقي بحما "الفيحاء" عكاظاها
وتلك أسطورة في سحر معجـــزة * "الرافدان" أطلا من مراياهــــــــــــا
"هزار بغداد" اسعفنا ببوتقــــــــــة * من "سحر بابل" إذ تشدو بليلاهـــا
كيما نصوغ قوافينا مجنحـــــــــــــة * وتجتلي الحس والإلهام دنياهـــــــــا
"عنيزة" وهي في لقياك هانئــــة * "خنساء" لا تبرح الأشجان ذكراهـــا
ما كان أعقبها لقيا واقصــــــــــرها * كذاك قصر ساع العمر أحلاهـــــــــا
أكرومة من يد الدنيا فقد حدســـت * من قبل مقدمكم أنا شكرناهــــــــــــــا

حتى قال :

أبا عصام وللأشعـار نسبتهـــــــــــــا * وشيجة قد تلاقينا بقرباهـــــــــــــــــا
إن المعارف في أهل النهى ذمـــــم * نرعى فضيلتنا أمًّا رعيناهـــــــــــــــــا
إنا لنأمــل تجــــديدا لزورتكــــــــــــم * إن الكريم إذا ما زار ثناهــــــــــــــــــا
غادرت باريس نجد والخطا قـــــــــدر * إلى بلاد روى التأريخ مغناهــــــــــــا
فاقرأ سنابك "زيد الخيل" في أجــــأ * واقرع على حاتم الطائي سلماهـــــــا
وسوف تلقى كراماً ثم قـد ورثــــــــوا * نـــدى وأنديـــة طلقــاً محياهــــــــــــا
قومــاً يــرون لزامـاً حـق ضيفهـــــــم * سجية وكريم الطبع غذاهـــــــــــــــــا
أبلغهم عن بني "الوادي" تحياتهــــم * قصيدة تجمع الأحباب نجواهــــــــــــــا
عنيــزة لــك يا كفكـــير عاشقـــــــــة * إن الغــرام الذي أغراك أغـــــــــــراها
قد أوكلتــني أن أشدو مشاعـــــرها * وكل مـن يهب الأقدار يعطــاهــــــــــــــا
وقد بثثتك عن بغـداد في كلمــــــي * صبابـتي وسألـت الملتـــقـــــــــــــى الله
وهكذا أحكم التأريخ دورتـــــــــــــــــه * فنحن في عالم العشاق صباهــــــــــــا

* ولقد أبان الوالد رحمه الله أعجابه الشديد بالشاعر "المتنبي" مما يدل على تأثره الشديد والمتناهي به في قصيدة سماها "المتنبي" نذكر منها قوله :

ياسرير البيان يا صهوة الشعــر * وبوح النضوج في ريعانــه
قبل ميلادك الكلام انتحاـــــــــل * وسواسية بشد عنانـــــــــــه
واقتحمت الميدان تحدوا إمامــا * فتجلى الأستاذ في فتيانـــــه
أنت روضت للمعاني القوافــي * والمعــــاني بأســـرها لبيانـه
وسماء الوجدان حلقت فيــــــه * حين تاه الإبداع في وجدانـــه
كتب الدهر فيك أطروحة الفخـــ* ــر فأنت الأستاذ في مهرجانه
سيدي بيننا الزمان طـــــــويــل * وصـــداك المُــرنّ في إرنانـــه
لم تزل بيننا تعيــش وتعطــــي * موسمًا والقرون ضمن أوانــــه
أنت قلب الإنسان في كل عصر * ومكان تنــوب عـن خفقانـــــــه
كل بيت كأنمـــا شــع تــــــــــواً * كالسلاف المقصور من أغصانه

* لكن ظهر ــ كذلك ــ تأثر الوالد رحمه الله بأبي العتاهية شاعر المواعظ والحكم خاصة في قصائده الأخيرة ، فقد ذكر الدكتور طارق الحبيب في مقاله القديم عن الوالد أنه أخبره رحمه الله : إن أعظم بيت أعجبه هو بيت أبي العتاهية :

وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد

ولذا يظهر للقارئ لأول وهلة هذا التأثر في شعر الوالد رحمه الله في قصيدته التي قال فيها :

وهل خالق الأكوان يحتاج حجـــة * على ذاته في أن يراه المعانـد
له في كل شيء بالجلالة شاهد * على أنه حي عظيم وواحــــــــد
لكم ضل هذا الطين في أمر ربـه * فلم ينفعل بالنور والطين جامــد

* وفي قصيدة أخرى عنونها بـ "الله" يقول رحمه الله :

يقول المرء هل للكـون رب * وهل كون يكون بغيــر رب
وأية صدفة جاءت بخلــــق * عجيب دون تدبير ولـــــــبِ
أرهم للظواهر ألهــــــوهـا * وأعينهم رأت من غير قلـب
وما شرط المهيمن أن نراه * ولكــن في بصــائرنـا نلبي
وهذا الكون يدعونا إليـــــه * لتعرفه العقول بغير حجـب

* أغراض الشعر عند الوالد رحمه الله: هنا يحسن أن نجيب على ثلاثة أسئلة من أسئلة الإخوة الطلبة عن بعض أغراض الشعر عند الولد رحمه الله : الأول : لماذا كان مقلاً من شعر الغزل ؟ الثاني : هل له قصائد هزلية ، الثالث : هل يقول الشعر الشعبي المسمى بالنبطي : فأقول قبل الإجابة : إن الوالد رحمه الله لم يكن يقول الشعر ترفاً أو فناً كما يفعله غيره ، وإنما كان الشعر عنده رحمه الله رسالة تعبر رأيه في الأحداث التي يعيشها وتعيشها أمته ، ولذا فغالب شعره في قضايا الأمة كتسلط اليهود على فلسطين أو الرافضة على الحرم كما تقدم ذكر بعضه ، أو في التأوه لضعف الأمة وقوة أعدائها ، ولذا فحال الأمة كثيراً ما يصاحبه في شعره فانظر إليه على سبيل المثال وهو يقول :

فكم أرهب الأعداء عملاق أمتي * لذا عاجلوه في صباه لكي يثنى بما عنى
وهم ملكوا كل الأمور فكلمـــــــا * أراد قوام الحـــــال لم يبلغ الشأنـــــــــــا
وقد ركزوا في أرضه من كيادهم * عوائق بثت في عزيمـــــــــته الوهنــــــا
عصور ظالم نامهـــــــا ثم بعدهــا * صحا وإذا بالقيد في جيله قنـــــــــــــــــا
وغالب جرح القيد حينــا ولم يـزل * إلى ألان بعد العتق لم يخلــع القطنـــــــا
فيارب إن كان الهوان جزاءنـــــــــا * فمَنْ بين أهل الأرض لــم يعصِ ومِنَّــا
فعاقبهم دون اعتراض بذلهـــــــم * وقوتنا بالحق كي يقصــــروا عنَّـــــــــــــا
فما نحن إلا أشقياء تمـــــــــــردوا * ولم يبلغوا في جدِّ رشدهم السِّنَّــــــــــــا
و لاتجعل الأشياع تمخــــر بيننــــا * يبادل بعض بعضنا البأس والضِغنـــــــــا
أقوام مقام العَوْذ من جاهليـــــــة * على مستوى الدولات تطحننا طحنـــــــــا
بقومية أ مذهب أو سياســــــــــة * لها نعرات تقتل العقل والذهنـــــــــــــــــــا
إليك إلهي آهة كم حبســــــــــتها * ولكنها فاضت تناشدك الحسنــــــــــــــــى
فأنت الذي أكرمتنا بمحمـــــــــــــد * وبالبيت فاشمل منه أصقاعنا آمنـــــــــــا
فقد نزلت في الأرض منك مشيئة * تزلزل تدبير الجبابر لا تُثنـــــــــــــــــــــــى
نشاغلهم يارب حتى يســـــلمــــوا * إلى (قيس) أهل القدس بغيته (لبنـــــى)
* ويقول في قصيدة بعنوان "عرج على أطلال يعرب" :
عرج على أطلال يعـــرب * وأذرف على عدنان واندب
لا تــبكـها مـن قـلـة الـدار * والأهـلـــــون أرحــــــــــب
إبك السجايا والأنــــــــوف * الشم والحسب المهــــذب
إبـك الأصـالة بعـــــــــد أن * طارت بها عنقاء معــــرب
وإبك الحياة بسيطــــــــــة * لكنها (شرف) ومطلــــــب
يشدو بهاالراعي الصغيــر * على ترنم كل مضــــــــرب
أواه قد صدىء الحديـــــــد * وكان كالشلال مذهــــــب
خمدت براكين الإبـــــــــــاء * وعهدها كانت تلهــــــــب
وترهل المهر الجواد وغاب * فارسه المجــــــــــــــرب
كغياب موسيقى الصهـــل * على ارتجاز فتى مـــــدرب
حـتى تطـاول للحـمــــــى * ذئـب وسـنور وثـعلـــــــــب
وعلى فراش الغافلــــــين * تعانقت أفعــى وعقــــــرب
طـلع المذنـب والخرافـــــة * في تهافتها تكــــــــــــــذب
لـكنـها فــيمـا بـــــــــــــــدا * أمست على الحبلين تلعب
لا لن أصدق أوأكــــــــــذب * كــل طالـعـنــــا مـذنـــــــب
يا أمتي كـم تقـرئــــــــــين * وما جدى ما كان يكتــــــب
أمسىالكتاب اليعربــــــي * كسفر عجم لم يعــــــــــرب
لـيت القبـور رفـاتهــــــــــــا * كالروض يلوي ثم يخصـب
لـتعـود دولـة أمــــــــــــــــة * غربت وما خلقت لتغــــرب
أواه لو تجدي الشجـــــــون * مقالتي أواه تنحـــــــــــــب
مـاذا أقـول بـواقـــــــــــــــع * الوقت من كفيه يسلــــــب
عـجبي إلـى متفائـــــــــــل * ومن التشاؤم صرت أعجب

* وكذا كان رحمه الله ينتقد أحداث تقع من بعض الناس ناصحاً ومرشداً كالرجل الذي ذهب للندن ونثر الدراهم في الشارع فلما عوتب قال : أردت منهم أن يركعوا لنا كما أركعونا فقال الوالد رحمه الله :
لو شدني عجب لأعجبني الـذي * نثر الدراهم في شوارع لندنــــــــا
مـــــا بين قوم لم يروهـا سبــــة * أن ينحنوا كالانحناء على الجنـــى
لم يحضروا للشرق لو لم يركعـوا * للمال وابتكروا المهــــازل عندنــا
شعب يرون من السذاجة فعلــه * من ذا الذي يطأ النقود وما انحنـــى
ما ضرهم إن زغردوا أو صفقــــوا * ودعوا لحاتمه المبجل بالمــــــنى
أدلى بفلسفة ترود خيالـــــــــــه * وكأنما حسب الرقيّ بما عنـــــــــــى
من أركعونا دورهم أن يركعــــــوا * يا سيدي ليس التشفي من هنـــــا
أنسيت أنك في ربوع بلادهــــــم * كنز يوزع في مصارفها الغنــــــــــى
تسعى برجلك سائحاً متعشقـــا * فتبادل العَرَض الرخيص بأثمنــــــــــا
هم ينتجون وأنت سوق نتاجهــم * هم يعرضون وأنت تشري مذعنـــــا
مهما امتعضت ففي فؤادك عقدة * جعلتك تحقر لو زعمت الموطنـــــــا
يا حاتماً لو كـان ما ألقيتــــــــــــــه * في مصنع أو صرح علم يبتنـــــــى
وأخذت من عدوى القبيح حصانـة * ونقلت عنهم في الحياة الأحسنــــــا
عظمت بلادك في عيون دهائهــم * فرأوك أقرب ما تكون تمدنـــــــــــــــا
ميزان عقلك ما تقوم ببذلــــــــــــه * فاقصد تكون ذاك المهيب الأرزنـــــا
ما كان أرسلك الإله إليهــــــــــــــم * من دون قوم كي تكون المحسنـــــا
إياك في سفهائهم أن تقتــــــــدي * فلجدهم كانوا بزعمك أفطنــــــــــــــــا
فخناهم حرية وحضـــــــــــــــــــارة * لكنها بالأجنبي من الخنــــــــــــــــــا
لو أنت تحمل بينهم جنسيــــــــــــة * صحبوك رغم الانتماء ملونـــــــــــــــا
لا تحسبن أدب المصالح فيهـــــــــم * من أجل شخصك بل لدغدغة الغنــى

hael1 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
hael1 غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 2009, 12:11 AM   [8]
عضو جديد








الوالد والشعر الشعبي : لقد كان الوالد رحمه الله كسائر أبناء عائلته من أعمام وإخوان وأخوات وأبناء عم حتى والدته رحمهم الله يجيدون نظم الشعر الشعبي المسمى "بالنبطي" ، لكنه كان من الشعراء القلائل الذين جمعوا الإبداع في الشعر بقسميه الفصيح والنبطي ، وكان مشتهراً بذلك رحمه الله ، ولذا لما ترجمه الشيخ محمد بن عثمان القاضي في كتابه "روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين" قال : "وكان خطاطاً فائقاً في حسنه للخط والوضوح تختاره على الطباعة ، وشاعراً بارعاً لا يجارى ، تـــرجم لــه عبد الله بن إدريس ، وكان إماماً في الأدب والشعر عربيّه ونبطيه"أ.هـ وقد تقدم قول الأستاذ أبي زياد عبد الرحمن العبد الله الهقاص وهو شاعر نبطي فحل عن الوالد رحمه الله حين قال : "تربع على عرش الشعر الفصيح ، له منهج واضح في الشعر العامي". وكان مما قال في رثائه :
هو فارس الشعر هو راسه وخَيَّالــــــه * ميدان الابداع تفخر فيه الايَّامــــــي
الشعر باللَّهْجه الفصحى يخَلَّى لـــــــه * من مِلْهِم الشعر فاز ابْسِرّ الالْهَامـي
بالموهبه قَيَّد التاريخ بِحْبَالـــــــــــــــــه * وِبْسَاحة الشعر حَطَّم كل الارْقَامــي
لو عاش في صَفْوةَ الماضي مَعَ اجْيَاله * مازاد عنه الفرزدق وبُو تمــــــامـي
والشعر في لَهْجِةَ الشَّعْبِي على بالــه * إن زار جَوِّه تِسَيَّد فيه الى حامــــــي
ابن شريم ان ذكرته يِبْرِم القَالــــــــــــه * وابن دويرج بلا تعليق وِخْصَامـــــي
مع شعر أبو ماجد اللي صارَ له هالــــه * تبقى المشاهير عامٍ يَتْبِعه عامـــي
هو مِثْلهم في فنون الشعر واشكالــــه * يَسْبِق بحُبّ العرب وِهْمُوم الاسلامي

* لقد كان أغلب قصائد الوالد التي يحتفظ بها من الشعر العربي لأنه غالب شعره الذي يعبر به عمّا في نفسه ويوافق طبيعته ، وأما الشعر النبطي فنادراً ما تجده بين أوراقه ؛ لأن الغالب عليه رحمه الله أنه لا يقول هذا النوع إلا في حالتين : إما لأن الذي يريد أن يطارحه من أصدقائه أو يرد عليه ممن لا يحسن إلا هذا الفن ، أو لكون كثيراً من أصدقائه وأقربائه الذين يجالسونه يلقون البيت والبيتين من النبطي فيرد عليهم من بنفس النوع ، والغالب أن هذين القسمين : إما أن تكون في الصدور ، أو في السطور عند من يكتب لهم ، ومما أذكره وأنا في المرحلة المتوسطة في بيتنا المستأجر "بيت عايد السريع" في حي "أم الخوابي" والذي أشتراه الوالد بعد ذلك ، فلما بنى بيته في "حي الفيحاء" باعه على ابنة عمه بسعر رخيص مراعاة لحالها وزوجها ، في ذلك البيت الطيني جاءنا ابن عم الوالد الشاعر النبطي المشهور المكثر عبد الله بن عبد العزيز السناني رحمه الله ذات يوم وتغدى وقال ذلك اليوم ، وكان الوالد يراوده لأجل أن يزوجه وتكفل له بالمهر والمرأة ، ثم لمّا جاء العصر وصعدت لابن عم الوالد لأجل الصلاة قال لي وهو مهموم : قل لأبوك ماني متزوج. وكان قد أعد أبياتاً يشكر الوالد على ما قدم ويعتذر عن ذلك ، فلما حضر الوالد ألقاها عليه ، وأخذ الوالد يجيبه شعراً ، فصّار كلمّا قال أحدهما بيتاً أجابه الآخر حتى اكتملت قصيدة (ردّية) جميلة ، وكان ابن العم رحمه الله يحفظها إلى عهد قريب قبل موته ، لكني مع الأسف لم أكتبها عنه. ومن محفوظاتي لقصيدة طويلة قالها الوالد رحمه الله لما جاء تثمين مجزي للبيوت في أحياء عنيزة قديماً في وسط البلد ووقف بعض الناس ضد ذلك بحجج غريبة فوتت على البلد خير عظيم وبقيت تلك البيوت إلى اليوم ندوب في تحديث المدينة ، وكان من الممكن أن يتغير اليوم وجه وسط المدينة بشكل غير الواقع الذي نراه اليوم ، فممـا أذكره من مطلع القصيدة وهي موجودة لكن لا أطولها الآن :

تعبرّت والدنيــا تعبر ســـرايرهــــــا * تبيح على المخلوق ما جاء بخاطرهــــا
يشب الوليد ولا درى عن طبوعهـــا * وإلا شاب ما كن التجاريب خابرهــــــــا
تعجبت من بعض اللحى بان شيبها * وهي في مجال اللعب شهب صوابـــرها

* ومــما توقعه رحمه الله في القصيدة تلك الأيام حينما كانت عنيزة لا تتجاوز شارع الملك عبد العزيز "الرياض سابقاً" شرقاً ، وكان "الصنقر" الذي فيه خزان الماء وهو الآن طرف حي المطار الجنوبي جبــــل لا سكن فيه ، حتى حي الصالحية لم يبن بعد ، فأشار مكبتاً من لا يرى في الدنيا إلا حارته ذات الشارع الضيق الذي ذكر رحمه الله في القصيدة : (أنه لو يشد الحبل ينشب بعايرها) ، حين قال في أحد الأبيات :

(لكني أشوف الدار تبهل شطورها * تهايق على روس الصناقر عمايرها ) ،

و لم يمت رحمه الله حتى رأى العماير تهايقت على روس الصناقر ، بل ذهبت وراء ذلك بعيداً من كل جهة ، بينما بقيت تلك البيوت القديمة شاهداً على عداوة بعض الناس لأنفسهم.
* ومن ذلك قصيدته للشاعر النبطي المجيد الأستاذ محمد البراهيم السلمان رحمه الله التي قدمت أنه قالها يتأريخ 28/2/1408هـ قبل وفاته بأحد عشر شهراً في رجل تطــاول عليه بكلام قذر وواجهه بكلام سوقي لّما أراد منه حقاً مالياً وربما تمالأ معه قوم آخرون ، فقال في تقديمه : إلى أخي الأستاذ الكريم محمد البراهيم السلمان مع التحية :

سر يا قلم وانشر مطاوي كنينهـــــــا * في نفس محرور لحْيْـد يعينهــــــــــا
لمحمد السلمـان ذرب المعاملـــــــــة * مباريك في زين الليـالي وشينهــــــا
وفصّل لبوبراهيم ماجـرّح الحشـــــــــا * ولو كان من شكواك مثلك طعينهــا
سهرت ومسحت الدمع واخفيت شكوتي*ولا شل جفني كود أذى مسلمينهـا
وضاقت بي الدار الوسيعة وخاطــــري * لفقد رجاجيل يثيبك عوينهـــــــــــــا
والأرض غير الأرض فينا تبدلــــــــــــت * عليها قروده تاخذه في يمينهـــــــا
لها صولة والحظ معها مساعفــــــــــه * على جيفة الدنيا تهزهز سنينهـــــــا
ربت مع دبشها واكتست من طبوعهـا * وشيماتهم وسلومهم جادعينهــــــــا
وعزيل شذان الحمايل من النقـــــــــــا * بمكبوشة ما خوذها مستحينهــــــــا
بوقتٍ ميادين المراويس للرّمــــــــــــــا * فلا خبنة إلا وهم كاسبينهـــــــــــــا
طلت بالسواد وجيههم قلة الحيــــــــــا * ومرواتهم بثيابهم سالحينهــــــــــــا
وللمال عبّاد وللغـــدر والـــــــــــــــردى * ذيابة غداري هدته محتزينهــــــــــا
فلا يدفنون الميت إلا بعمولـــــــــــــــــة * قبل ما يوسد باللحد قابضينهـــــــــا
يصيدون بالغرة محل ومحـــــــــــــــــرم * ولا يشبع بطون الضواري سمينهـا
وما حل بيديهم حرام لغيرهــــــــــــــــم * حلال لهم هذي تفاسير دينهــــــــــا
فلو خليّت الكعبة سبوها عباتهــــــــــــا * ولو بير زمزم بايعوا واردينهــــــــــا
حصاني إلى ذلوا كلاب إلى ارتجــــــــوا * ولا بالزقرتي طمعة مرتجينهــــــــا
وشخوا على نار الحمية وتفلــــــــــــــوا * وغنوا على نار الردى موقدينهــــا
معان الشيم والمرجلة عزلوا بهـــــــــــا * ولكن على دسعاتهم فاتحينهــــــا
إلى قلت جاء الحظ جتني فزوعهـــــــــم * نطاطيقهم عند اللزوم مرهفينهـــا
ولى صحت فيهم تنتخي صرت مرتخـي * فذانهم ما ينفذ الصوت طينهـــــــــا
وياليت تسلم من ندوس ومبلــــــــــــــغ * بوصط المجالس سيرتك حايقينهـا
يغبون عنك الراي والنصح كنهـــــــــــــم * مع القوم فيك الهايعة محترينهـــا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
بلاني بتال الوقت من هان واجــــــــــبي * شقي نفسٍ حر خطو نذلٍ يهينهــــا
تمثنيت بايامي بستر وسلامـــــــــــــــــة * ولا ناب ملفاها ولا ذاب حينهـــــــا
وعيبي حياي وعلتي طيب الربـــــــــــــــا * ولي شيمة عيّت تقبـل عطينهــــــا
ربينا مع اجواد تنحوا وودعــــــــــــــــــــــوا * خلفهـم هثيـل ليتنا سابقينهـــــا
ولا صار مقبلهم مثل حاضرينهـــــــــــــم*عسى البيض فصي ما يدورج جنينها
اقوله واخص اللي عنيته ولا خلـــــــــــت * بلاد الحمايا من ضنا خيرينهـــــــا
جذبت القلم والطرس وامليت ما احتضـر * وقدمت لك خوخ السريرة وتينـهـا
ولو كان ما تشاد ولا شك همتــــــــــــــك * عزوم على قاس الحوادث ولينهـا
تهيضت لك حيثك مجرب وضامــــــــــــرك * حزين يهيضك النبا من حزينهــــا
عسى مقبل الأيام تلفح بغيبهـــــــــــــــــا * ولا يقطع الله به رجا حالبينهـــــــا
وحنا بفضل الله بخير ومعــــــــــــــــــــــزة * سفينة حماية ربنا راكبينهـــــــــا
فلا نعمة إلا بها شاكرينهــــــــــــــــــــــــــا * ولا شدة إلا بها صابرينهــــــــــا
هي النفس لا ضاقت وذا من طبيعتـــــه*حشا تشكي الله لا اشتكت مجرمينهـا
غذاها المفاكر في تصرف حوالهـــــــــــــــأ * وسلوى المذاكر لا لقت رايفينهــا
وانا بعت من صغري على الناس شرهتي * مع اللي فوايد عملته مشترينهـــا
ودير الروابع كيف دار تغيـــــــــــــــــــــــرت * تجول العقارب ما بهم كاتلينها
تمر الحذا من حولها ما تمسهــــــــــــــــــــا * لك الله ما كنّ العرب عارفينهـــا
تخزز قريصه حربته فوق غاربـــــــــــــــــه *مع الناس بالطوشه تقل والفينها

* الوالد رحمه الله وشعر الغزل : كان الوالد رحمه الله مقلاً من شعر الغزل لطبيعة تربيته الدينية التي ربته عليها والدته رحمها الله وبقيت آثارها حتى موته في حياته وشعره ، مع ما كان يشغله من هموم أمته وما حلَّ بها من نكبات. ولعل لنشأة اليتم التي عاشها وما تبع ذلك من حياة الكفاف في شبابه أثر في ذلك كذلك ، لأن تلك النشأة الشاقة التي يلمحها كل قارئ لشعره لم تجعل له رحمه الله أن يعيش عيشة شعراء آخرين معاصرين له ، لذلك لما ذكره صـاحب كتــاب "شعراء نجد المعاصرون" عبد الله بن إدريس وعمره رحمه الله آنذاك دون الثلاثين ، قال عنه : "شاعر جيد إلا أنه مقل ، وتعوزه الأجواء الملونة". أضف لذلك معارضة هذا الشعر لطبيعته التي خلقه الله عليها من الجدِّ والعقل والنظر لحقائق الأشياء لا لظواهرها. فلقد تزوج رحمه الله على والدتي قبل أن أولد بسنيات ، فما لبث إلا أن طلق الأخرى وأنا حملٌ ولم يتزوج بعدها ؛ لأن فلسفته التي وصل إليها : أن النساء في جوهرهن واحد وإن اختلفن في الظواهر كما قال صلى الله عليه وسلم فيما روى الترمذي وأصله في مسلم : "إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ امْرَأَةً فَأَعْجَبَتْهُ فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ مَعَهَا مِثْلَ الَّذِي مَعَهَا" ، ولذا فها هو يقول في إحدى قصائده :

تغزلت لا عن غــــزل * ولكن ليرضــــى الأدب
فما الحب من عادتي * فما صح عندي سبـب
أاهدر قلبي هـــــوى * لإغراء زيف البشــــــر
فما الحسن إلا وثـــن * كما كوكب أو حجـــــر
سأبقى أحب الوجود * ففيه صنوف الجمــــال
وأرفض حب الجسوم * بغير تمـــــــام الخـلال
أحب الوجود الجميــل * وصولاً إلى المبــــــدع
فما بعد حب الإلـــــــه * سمـــو لقــلـب يعـــي
وإن جاذبتك الطبــــاع * فمن عقلك المستشار
فحب الطباع اشتهاء كذلك حب الحمــــــــــــــار

* الوالد رحمه الله وشعر الهزل : ينسحب كذلك على هذا النوع من الشعر ما ينسحب على شعر الغزل في سبب إقلال الوالد منه رحمه الله ، إلا أن هذا النوع يقع عنده أكثر من شعر الغزل خاصة مع أصدقائه المقـربين ، ولا تبقى هذه القصائد في أوراقه لأن الغالب إرسالها لمن يعنى بها لأنه رحمه الله لم يكن يبيض قصائده ، وقد ذكر الدكتور طارق الحبيب في مقاله القديم في صحيفة جامعة الملك سعود أثناء حياة الوالد رحمه الله فيما أذكر قصيدة له عربية الكتابة خليلية الوزن أفرنجية الألفاظ قالها رحمه الله في أحد أصدقائه المقربين فلم يبق في ذاكرتي منها إلا ما عيره به من التلون مداعباً حين قال له : (أنت في نجد حنبلي في الخليج أبو حنيفة) ، ومن قصائد الوالد في المداعبات يخاطب ضرسه الذي صبر عليه لكنه قلعه أخيراً حين يقول (باختصار بعض الأبيات) :

خسرتك ياأعز الأصدقـــــــــــــــاء * وكنا مجمعين على الصفــــاء
أسارع للطبيب ولست أرضـــــى * إذا هو قال خلعك من شفائــــي
إلى أن حل بي ما لسـت أقـــوى * وصــرت عليّ من أدهى البــلاء
وذات صبيحة وجهت وجهــــــــي * وليس المركــــــز الصحي بنـاء
وأعطيت الطبيب قرار نفســــــي * بخلعـــــك إذ لجــأت إلى عدائـي
لقد سموك ضرس العقل حقــــــاً * فقد طيــرت عقلي في الهبــــــاء
ولم أجـــــــد الذي قالوه علمـــــــاً * فإطلاق الشمــــــول من الهراء
حباني الله أربعــــــــة بفكـــــــــي * فما أصبحـــــت من أهــل الدهاء
صحبتك من صباي وذاك عمــــــــر * ولم نوجـــــد جميعــــاً للبقـــــاء
وقلعك في الحقيقة موت بعضــي * فكــــــــن لبقيتي كبش الفــــــــداء
وفيتُ وخنتَ فاسمع صدق شعري * بــــــــلا ذم صــــراح أو رثـــــــاء

* وقال في قصيدة بعنوان "مراضع الحليب"
شحت ثدي نساء الحي عن ولــد * فاستبدل الناس من ألبانها العلبـا
فاستبقر النسل إن العرق ذو أثـر * ومثلــه اللــــبن المرضوع كم جذبا
فكم رأينا من الجامــــــوس خالته * أو خاله الثور فاسترعى بنا العجبا
يلقاك غــــــــير مبـــال لو بجبهتـه * قرنان شدّ على جنبيك فاختضبـــا

عضو جديد








الوالد والشعر الشعبي : لقد كان الوالد رحمه الله كسائر أبناء عائلته من أعمام وإخوان وأخوات وأبناء عم حتى والدته رحمهم الله يجيدون نظم الشعر الشعبي المسمى "بالنبطي" ، لكنه كان من الشعراء القلائل الذين جمعوا الإبداع في الشعر بقسميه الفصيح والنبطي ، وكان مشتهراً بذلك رحمه الله ، ولذا لما ترجمه الشيخ محمد بن عثمان القاضي في كتابه "روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين" قال : "وكان خطاطاً فائقاً في حسنه للخط والوضوح تختاره على الطباعة ، وشاعراً بارعاً لا يجارى ، تـــرجم لــه عبد الله بن إدريس ، وكان إماماً في الأدب والشعر عربيّه ونبطيه"أ.هـ وقد تقدم قول الأستاذ أبي زياد عبد الرحمن العبد الله الهقاص وهو شاعر نبطي فحل عن الوالد رحمه الله حين قال : "تربع على عرش الشعر الفصيح ، له منهج واضح في الشعر العامي". وكان مما قال في رثائه :
هو فارس الشعر هو راسه وخَيَّالــــــه * ميدان الابداع تفخر فيه الايَّامــــــي
الشعر باللَّهْجه الفصحى يخَلَّى لـــــــه * من مِلْهِم الشعر فاز ابْسِرّ الالْهَامـي
بالموهبه قَيَّد التاريخ بِحْبَالـــــــــــــــــه * وِبْسَاحة الشعر حَطَّم كل الارْقَامــي
لو عاش في صَفْوةَ الماضي مَعَ اجْيَاله * مازاد عنه الفرزدق وبُو تمــــــامـي
والشعر في لَهْجِةَ الشَّعْبِي على بالــه * إن زار جَوِّه تِسَيَّد فيه الى حامــــــي
ابن شريم ان ذكرته يِبْرِم القَالــــــــــــه * وابن دويرج بلا تعليق وِخْصَامـــــي
مع شعر أبو ماجد اللي صارَ له هالــــه * تبقى المشاهير عامٍ يَتْبِعه عامـــي
هو مِثْلهم في فنون الشعر واشكالــــه * يَسْبِق بحُبّ العرب وِهْمُوم الاسلامي

* لقد كان أغلب قصائد الوالد التي يحتفظ بها من الشعر العربي لأنه غالب شعره الذي يعبر به عمّا في نفسه ويوافق طبيعته ، وأما الشعر النبطي فنادراً ما تجده بين أوراقه ؛ لأن الغالب عليه رحمه الله أنه لا يقول هذا النوع إلا في حالتين : إما لأن الذي يريد أن يطارحه من أصدقائه أو يرد عليه ممن لا يحسن إلا هذا الفن ، أو لكون كثيراً من أصدقائه وأقربائه الذين يجالسونه يلقون البيت والبيتين من النبطي فيرد عليهم من بنفس النوع ، والغالب أن هذين القسمين : إما أن تكون في الصدور ، أو في السطور عند من يكتب لهم ، ومما أذكره وأنا في المرحلة المتوسطة في بيتنا المستأجر "بيت عايد السريع" في حي "أم الخوابي" والذي أشتراه الوالد بعد ذلك ، فلما بنى بيته في "حي الفيحاء" باعه على ابنة عمه بسعر رخيص مراعاة لحالها وزوجها ، في ذلك البيت الطيني جاءنا ابن عم الوالد الشاعر النبطي المشهور المكثر عبد الله بن عبد العزيز السناني رحمه الله ذات يوم وتغدى وقال ذلك اليوم ، وكان الوالد يراوده لأجل أن يزوجه وتكفل له بالمهر والمرأة ، ثم لمّا جاء العصر وصعدت لابن عم الوالد لأجل الصلاة قال لي وهو مهموم : قل لأبوك ماني متزوج. وكان قد أعد أبياتاً يشكر الوالد على ما قدم ويعتذر عن ذلك ، فلما حضر الوالد ألقاها عليه ، وأخذ الوالد يجيبه شعراً ، فصّار كلمّا قال أحدهما بيتاً أجابه الآخر حتى اكتملت قصيدة (ردّية) جميلة ، وكان ابن العم رحمه الله يحفظها إلى عهد قريب قبل موته ، لكني مع الأسف لم أكتبها عنه. ومن محفوظاتي لقصيدة طويلة قالها الوالد رحمه الله لما جاء تثمين مجزي للبيوت في أحياء عنيزة قديماً في وسط البلد ووقف بعض الناس ضد ذلك بحجج غريبة فوتت على البلد خير عظيم وبقيت تلك البيوت إلى اليوم ندوب في تحديث المدينة ، وكان من الممكن أن يتغير اليوم وجه وسط المدينة بشكل غير الواقع الذي نراه اليوم ، فممـا أذكره من مطلع القصيدة وهي موجودة لكن لا أطولها الآن :

تعبرّت والدنيــا تعبر ســـرايرهــــــا * تبيح على المخلوق ما جاء بخاطرهــــا
يشب الوليد ولا درى عن طبوعهـــا * وإلا شاب ما كن التجاريب خابرهــــــــا
تعجبت من بعض اللحى بان شيبها * وهي في مجال اللعب شهب صوابـــرها

* ومــما توقعه رحمه الله في القصيدة تلك الأيام حينما كانت عنيزة لا تتجاوز شارع الملك عبد العزيز "الرياض سابقاً" شرقاً ، وكان "الصنقر" الذي فيه خزان الماء وهو الآن طرف حي المطار الجنوبي جبــــل لا سكن فيه ، حتى حي الصالحية لم يبن بعد ، فأشار مكبتاً من لا يرى في الدنيا إلا حارته ذات الشارع الضيق الذي ذكر رحمه الله في القصيدة : (أنه لو يشد الحبل ينشب بعايرها) ، حين قال في أحد الأبيات :

(لكني أشوف الدار تبهل شطورها * تهايق على روس الصناقر عمايرها ) ،

و لم يمت رحمه الله حتى رأى العماير تهايقت على روس الصناقر ، بل ذهبت وراء ذلك بعيداً من كل جهة ، بينما بقيت تلك البيوت القديمة شاهداً على عداوة بعض الناس لأنفسهم.
* ومن ذلك قصيدته للشاعر النبطي المجيد الأستاذ محمد البراهيم السلمان رحمه الله التي قدمت أنه قالها يتأريخ 28/2/1408هـ قبل وفاته بأحد عشر شهراً في رجل تطــاول عليه بكلام قذر وواجهه بكلام سوقي لّما أراد منه حقاً مالياً وربما تمالأ معه قوم آخرون ، فقال في تقديمه : إلى أخي الأستاذ الكريم محمد البراهيم السلمان مع التحية :

سر يا قلم وانشر مطاوي كنينهـــــــا * في نفس محرور لحْيْـد يعينهــــــــــا
لمحمد السلمـان ذرب المعاملـــــــــة * مباريك في زين الليـالي وشينهــــــا
وفصّل لبوبراهيم ماجـرّح الحشـــــــــا * ولو كان من شكواك مثلك طعينهــا
سهرت ومسحت الدمع واخفيت شكوتي*ولا شل جفني كود أذى مسلمينهـا
وضاقت بي الدار الوسيعة وخاطــــري * لفقد رجاجيل يثيبك عوينهـــــــــــــا
والأرض غير الأرض فينا تبدلــــــــــــت * عليها قروده تاخذه في يمينهـــــــا
لها صولة والحظ معها مساعفــــــــــه * على جيفة الدنيا تهزهز سنينهـــــــا
ربت مع دبشها واكتست من طبوعهـا * وشيماتهم وسلومهم جادعينهــــــــا
وعزيل شذان الحمايل من النقـــــــــــا * بمكبوشة ما خوذها مستحينهــــــــا
بوقتٍ ميادين المراويس للرّمــــــــــــــا * فلا خبنة إلا وهم كاسبينهـــــــــــــا
طلت بالسواد وجيههم قلة الحيــــــــــا * ومرواتهم بثيابهم سالحينهــــــــــــا
وللمال عبّاد وللغـــدر والـــــــــــــــردى * ذيابة غداري هدته محتزينهــــــــــا
فلا يدفنون الميت إلا بعمولـــــــــــــــــة * قبل ما يوسد باللحد قابضينهـــــــــا
يصيدون بالغرة محل ومحـــــــــــــــــرم * ولا يشبع بطون الضواري سمينهـا
وما حل بيديهم حرام لغيرهــــــــــــــــم * حلال لهم هذي تفاسير دينهــــــــــا
فلو خليّت الكعبة سبوها عباتهــــــــــــا * ولو بير زمزم بايعوا واردينهــــــــــا
حصاني إلى ذلوا كلاب إلى ارتجــــــــوا * ولا بالزقرتي طمعة مرتجينهــــــــا
وشخوا على نار الحمية وتفلــــــــــــــوا * وغنوا على نار الردى موقدينهــــا
معان الشيم والمرجلة عزلوا بهـــــــــــا * ولكن على دسعاتهم فاتحينهــــــا
إلى قلت جاء الحظ جتني فزوعهـــــــــم * نطاطيقهم عند اللزوم مرهفينهـــا
ولى صحت فيهم تنتخي صرت مرتخـي * فذانهم ما ينفذ الصوت طينهـــــــــا
وياليت تسلم من ندوس ومبلــــــــــــــغ * بوصط المجالس سيرتك حايقينهـا
يغبون عنك الراي والنصح كنهـــــــــــــم * مع القوم فيك الهايعة محترينهـــا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
بلاني بتال الوقت من هان واجــــــــــبي * شقي نفسٍ حر خطو نذلٍ يهينهــــا
تمثنيت بايامي بستر وسلامـــــــــــــــــة * ولا ناب ملفاها ولا ذاب حينهـــــــا
وعيبي حياي وعلتي طيب الربـــــــــــــــا * ولي شيمة عيّت تقبـل عطينهــــــا
ربينا مع اجواد تنحوا وودعــــــــــــــــــــــوا * خلفهـم هثيـل ليتنا سابقينهـــــا
ولا صار مقبلهم مثل حاضرينهـــــــــــــم*عسى البيض فصي ما يدورج جنينها
اقوله واخص اللي عنيته ولا خلـــــــــــت * بلاد الحمايا من ضنا خيرينهـــــــا
جذبت القلم والطرس وامليت ما احتضـر * وقدمت لك خوخ السريرة وتينـهـا
ولو كان ما تشاد ولا شك همتــــــــــــــك * عزوم على قاس الحوادث ولينهـا
تهيضت لك حيثك مجرب وضامــــــــــــرك * حزين يهيضك النبا من حزينهــــا
عسى مقبل الأيام تلفح بغيبهـــــــــــــــــا * ولا يقطع الله به رجا حالبينهـــــــا
وحنا بفضل الله بخير ومعــــــــــــــــــــــزة * سفينة حماية ربنا راكبينهـــــــــا
فلا نعمة إلا بها شاكرينهــــــــــــــــــــــــــا * ولا شدة إلا بها صابرينهــــــــــا
هي النفس لا ضاقت وذا من طبيعتـــــه*حشا تشكي الله لا اشتكت مجرمينهـا
غذاها المفاكر في تصرف حوالهـــــــــــــــأ * وسلوى المذاكر لا لقت رايفينهــا
وانا بعت من صغري على الناس شرهتي * مع اللي فوايد عملته مشترينهـــا
ودير الروابع كيف دار تغيـــــــــــــــــــــــرت * تجول العقارب ما بهم كاتلينها
تمر الحذا من حولها ما تمسهــــــــــــــــــــا * لك الله ما كنّ العرب عارفينهـــا
تخزز قريصه حربته فوق غاربـــــــــــــــــه *مع الناس بالطوشه تقل والفينها

* الوالد رحمه الله وشعر الغزل : كان الوالد رحمه الله مقلاً من شعر الغزل لطبيعة تربيته الدينية التي ربته عليها والدته رحمها الله وبقيت آثارها حتى موته في حياته وشعره ، مع ما كان يشغله من هموم أمته وما حلَّ بها من نكبات. ولعل لنشأة اليتم التي عاشها وما تبع ذلك من حياة الكفاف في شبابه أثر في ذلك كذلك ، لأن تلك النشأة الشاقة التي يلمحها كل قارئ لشعره لم تجعل له رحمه الله أن يعيش عيشة شعراء آخرين معاصرين له ، لذلك لما ذكره صـاحب كتــاب "شعراء نجد المعاصرون" عبد الله بن إدريس وعمره رحمه الله آنذاك دون الثلاثين ، قال عنه : "شاعر جيد إلا أنه مقل ، وتعوزه الأجواء الملونة". أضف لذلك معارضة هذا الشعر لطبيعته التي خلقه الله عليها من الجدِّ والعقل والنظر لحقائق الأشياء لا لظواهرها. فلقد تزوج رحمه الله على والدتي قبل أن أولد بسنيات ، فما لبث إلا أن طلق الأخرى وأنا حملٌ ولم يتزوج بعدها ؛ لأن فلسفته التي وصل إليها : أن النساء في جوهرهن واحد وإن اختلفن في الظواهر كما قال صلى الله عليه وسلم فيما روى الترمذي وأصله في مسلم : "إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ امْرَأَةً فَأَعْجَبَتْهُ فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ مَعَهَا مِثْلَ الَّذِي مَعَهَا" ، ولذا فها هو يقول في إحدى قصائده :

تغزلت لا عن غــــزل * ولكن ليرضــــى الأدب
فما الحب من عادتي * فما صح عندي سبـب
أاهدر قلبي هـــــوى * لإغراء زيف البشــــــر
فما الحسن إلا وثـــن * كما كوكب أو حجـــــر
سأبقى أحب الوجود * ففيه صنوف الجمــــال
وأرفض حب الجسوم * بغير تمـــــــام الخـلال
أحب الوجود الجميــل * وصولاً إلى المبــــــدع
فما بعد حب الإلـــــــه * سمـــو لقــلـب يعـــي
وإن جاذبتك الطبــــاع * فمن عقلك المستشار
فحب الطباع اشتهاء كذلك حب الحمــــــــــــــار

* الوالد رحمه الله وشعر الهزل : ينسحب كذلك على هذا النوع من الشعر ما ينسحب على شعر الغزل في سبب إقلال الوالد منه رحمه الله ، إلا أن هذا النوع يقع عنده أكثر من شعر الغزل خاصة مع أصدقائه المقـربين ، ولا تبقى هذه القصائد في أوراقه لأن الغالب إرسالها لمن يعنى بها لأنه رحمه الله لم يكن يبيض قصائده ، وقد ذكر الدكتور طارق الحبيب في مقاله القديم في صحيفة جامعة الملك سعود أثناء حياة الوالد رحمه الله فيما أذكر قصيدة له عربية الكتابة خليلية الوزن أفرنجية الألفاظ قالها رحمه الله في أحد أصدقائه المقربين فلم يبق في ذاكرتي منها إلا ما عيره به من التلون مداعباً حين قال له : (أنت في نجد حنبلي في الخليج أبو حنيفة) ، ومن قصائد الوالد في المداعبات يخاطب ضرسه الذي صبر عليه لكنه قلعه أخيراً حين يقول (باختصار بعض الأبيات) :

خسرتك ياأعز الأصدقـــــــــــــــاء * وكنا مجمعين على الصفــــاء
أسارع للطبيب ولست أرضـــــى * إذا هو قال خلعك من شفائــــي
إلى أن حل بي ما لسـت أقـــوى * وصــرت عليّ من أدهى البــلاء
وذات صبيحة وجهت وجهــــــــي * وليس المركــــــز الصحي بنـاء
وأعطيت الطبيب قرار نفســــــي * بخلعـــــك إذ لجــأت إلى عدائـي
لقد سموك ضرس العقل حقــــــاً * فقد طيــرت عقلي في الهبــــــاء
ولم أجـــــــد الذي قالوه علمـــــــاً * فإطلاق الشمــــــول من الهراء
حباني الله أربعــــــــة بفكـــــــــي * فما أصبحـــــت من أهــل الدهاء
صحبتك من صباي وذاك عمــــــــر * ولم نوجـــــد جميعــــاً للبقـــــاء
وقلعك في الحقيقة موت بعضــي * فكــــــــن لبقيتي كبش الفــــــــداء
وفيتُ وخنتَ فاسمع صدق شعري * بــــــــلا ذم صــــراح أو رثـــــــاء

* وقال في قصيدة بعنوان "مراضع الحليب"
شحت ثدي نساء الحي عن ولــد * فاستبدل الناس من ألبانها العلبـا
فاستبقر النسل إن العرق ذو أثـر * ومثلــه اللــــبن المرضوع كم جذبا
فكم رأينا من الجامــــــوس خالته * أو خاله الثور فاسترعى بنا العجبا
يلقاك غــــــــير مبـــال لو بجبهتـه * قرنان شدّ على جنبيك فاختضبـــا

hael1 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
hael1 غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 2009, 05:26 AM   [9]
عضو جديد








* أفضل ما أعجبني من قصيدة أو بيت: من من أحسن ما أعجبني من روائع شعر الوالد رحمه الله ما قاله في قصيدة بعنوان "يقولون" وهي في مرض والدته رحمها الله والتي كان مطلعها :
يقولون كيف الحال ؟ قلت كعهدكم * وتكفي حال من صحب المرضى
حيث ختمها رحمه الله ببيتين من روائع الشعر فقال :
سنصدق لولا قسوة في قلوبنا * ونبصر إن ناب الزمان لنا عضــاً
وكم وعظتنا يوما بغيرنــــــــــا * وفي ذات يوم سوف تجعلنا وعظاً

* وكذلك ما جاء في قصيدته التي عنونها بـــــ "عرّج" ، والتي كان مطلعها :
عرج على أطلال يعرب * واذرف على عدنان واندب
فقد ختمها برائعة من روائع الشعر حين قال :
ليت القبـور رفـاتها * كالروض يلوي ثم يخصب
لتعود دولـة أمــة * غربت وما خلقت لتغـــــرب

* أما أحسن القصائد في نظري فهي قصيدته التي مضى طرفها في رد تحية أحد الشعراء العراقيين ممن الشعراء العراقيين ممن وفد إلى عنيزة فمدحها فرد عليه الوالد بقصيدة طويلة من عيون الشعر عارض بها قصيدته فقال في مطلعها :
حيتك نجد صباها أو ندى ماها * ورندها وعبير في خزاماهــــــا
واستقبلتك مهود الشعر باسمــة * كأن نــور أقاحيهــا ثنايـاهـــا

* وقصيدته في رثاء الشيخ سليمان بن عبد الله النعيم رحمه الله التي قال في أثنائها :
والموت في هذي الحياة بدايـــــــــة * ونهايـــة لبداية ما أقصـــــــــــــرا
نأسى على الموتى ونحن وراءهم * نطوي على جسر الحياة المعــبـــرا
نسهو ونلهوا بالحطـــام تهافتـــــــــاً * ومتى استهام القلب لن يتبصــــرا
لو زار زائـــرنا المقابــــــر واعيــاً * لأعاد تقييم الأمور وقــــــــــــــــدرا
جثث تمـــــــــور ثيابهــــــــا أكفانها * فـوق التــراب وأخــتها تحت الثرى
تنساق للأمــــل الخـــــدوع كأنمــــا * أخـذت بتمــديـــد الإقـــامة محضـرا

* ومن ذلك قصيدته التي قالها رحمه الله في مرض موته والتي مطلعها (ستأتي كاملة) :
تضاحك دار عند ميلاد قـــــــادم * نذير بكاء سوف يبعثه الفقـــــــد
وان عمرت دار تبسم معــــــول * وغازل من أحلام فرصته السهد

* وفاته رحمه الله ومرضه : كان عام (1406هـ) هو عام الحزن بالنسبة للوالد رحمه الله حيث فقد اثنين من أحب الناس إلى قلبه ، أحدهما والدته رحمها الله التي فقد معنى الحياة بموتها لولا بقائه داعياً لها كما قال في بعض شعره ، والثاني هو الشيخ سليمان بن عبد الله النعيم رحمه الله الذي مات قبلها بيسير وكان إماماً لمسجد حيِّ الفيحاء الأوسط وكان عابداً زاهداً محبوباً بين الناس ، فرثاه الوالد رحمه الله في قصيدة مطلعها :
آل النعيم مضى القضاء كما جرى * بفقيدكم حسب الرضـــا أن يؤجـــــــــــرا
ودعت فيـه مع الأحبـة عابــــــــداً * حــــــــق الزمـــــــــــــان بمثله أن يعذرا
حتى قال رحمه الله :
ولقـــد ألفــــت المـــوت في أمثـــــاله * وفقــدتهـــم واعتــــــدت أن أتـــــذكرا
أحببتـهم منـــــذ الطــفولــــة والصبا * ولـدى الكهـولة صـار وجدي أكبـــــــرا
فقـــد الرجـــال الصالــحين خسارة * فهم المعالـــم في الطـــريــــق لمن سرى
وحيــــــاتهم للمقتــــــدين سكـــــينة * فإذا مضــــوا وجــــم المكــــان وأقفــرا
تتضــاعف الحسرات فيمن ركبـــــه * عن شــــأو ركبـــهم المجلـــي قصـــــرا
غالــــبت دمـــــعي والفــــراق مرارة * لا لــــــــوم للمحـــــزون أن يســتعبــرا

* وبوفاة هاذين العزيزين على قلبه رحمه الله تغيرت حياته فاكتسى وجهه بمسحة حزن لا تفارقه ، وصار يفكر بالموت والاستعداد لآخرته بشكل أكبر ، وكان ذلك أحد أسباب تقديمه لتقاعده الذي لم يعش بعده إلا أحد عشر شهراً إذ أحس رحمه الله بشيء من الألم فراجع في مستشفى عنيزة العام القديم فترة ثمينة بلا طائل فأحالوه على المستشفى التخصصي ببريدة الذي وجهه سريعاً إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض ، وبعد الكشف عليه رحمه الله دخل عليه أحد الأطباء ممن نزعت الرحمة من قلبه فصدمه بأن أخبره بإصابته بمرض سرطان القالون وأنه منتشر ، ومع أن للموقف رهبة تلمحها في قسمات وجهه ذلك اليوم فقد تماسك رحمه الله فصبر عند الصدمة الأولى ــ ولله الحمد ــ فلم يقل إلا ما يرضي الرب عزوجل ، وعبّر ذلك في قصيدته التي قالها قبل خضوعه للعلاج الأول بالعمــــل الجراحي الذي قرره الأطباء لاستئصال الجزء المصاب والذي لم ينجح في وقف المرض ، فقرر الأطباء الانتقال للعلاج الكيمائي الذي استمر معه حتى قبل موته بقليل ولم يؤثر ولله الحمد في شعر رأسه أو لحيته التي كست عارضيه ، لكنها أبقت جسمه عظماً دون لحم ، وحين ذهبنا به في أول شهر محرم لموعده في المستشفى ، قال الطبيب : لا أمل له ، ولم يبق له إلا أياماً معدودة. فرجعنا به إلى عنيزة. وفي يوم الأربعاء التاسع عشر من محرم تأزم وضعه ودخل المستشفى وهو في غيبوبة كان يفيق منها مرات دون وعي كامل فيردد كلمة : "جت الصلاة ؟ أبصلي" فيبدأ في الصلاة ثم لا يكملهـــــا رحمه الله ، ولقد رأيت الطبيب قبل موته بيوم رحمه الله يغرز إبرة كبيرة الحجم جداً في رئتيه من جهة ظهره فيستخرج منهما سوائل كثيرة لأن المرض وصل إليهما فصعب عليه التنفس جداً ، حتى إذا كان في صباح يوم الجمعة الموافق للحادي والعشرين من شهر محرم سنة (1409هـ) في الساعة الثامنة وخمس وأربعين دقيقة أسلم روحه إلى بارئها ، فبادرنا بتغسيله وتكفينه ، وقدمناه للصلاة بعد صلاة الجمعة في الجامع الكبير بعنيزة ، فشيعه جمع كثير جداً من أهالي البلد ، وأثنوا عليه خيراً كثيراً مما أنطقهم الله به من خير والناس شهداء الله في الأرض فلله الحمد والمنة ، وكان رحمه الله قال لي قبل موته بخمسة أيام وقد أحس بدنو أجله : أرجو الله أن يجعل موتي في يوم جمعة ، فأعطاه ربه ما تمنى ، وجمع الله له من الأجور : أن مات بمرض البطن الذي من مات به مات شهيداً كما جاء في الحديث ، وأنه كان ولله الحمد صابراً على ما أبتلاه ، ثم مات في يوم فاضل صلى عليه جمع كبير في صلاة الجمعة أرجو الله أن يكون قد قبل شفاعتهم فيه وأوجب ثناءهم عليه. ومن فضل الله على الوالد رحمه الله أن الله أمهله ما يقارب سنة بعد معرفته بمرض موته ؛ لأن تأخير الأجل مع الإحساس بدنوه نعمة من الله على العبد الصابر خلافاً لموت الفجأة من وجهين : أحدهما : أن ذلك يكون تمحيصاً لذنوبه ورفعة لدرجاته ، وفي الحديث الذي رواه الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَــالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ ، حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ). الثاني : ليعيش لذة العبادة والتذلل والخضوع والاطراح بين يدي الخالق جل وعلا فيلقى الله وهو على حال يحبها الله له ، ولذا لمّا قال بعض الإخوة للوالد رحمه الله وهو يصلي القيام واقفاً في آخر رمضان أدركه ، أي قبل وفاته بأقل من أربعة أشهر وقد أنهكه المرض : لو صليت جالساً يا أبا سامي! فقال له رحمه الله : بل أصبر ، وما يدريني فلعله آخر رمضان أصليه ، وله رحمه الله قصيدة أظنها قبل مرضه بعنوان "وداعاً يارمضان" قال فيها رحمه الله :

بكيت على الفراق ولا أعاب * فلو حزني يخففه احتســـاب
فهل ألقاك يا رمضان حيّاً * وفي نفسي التنسك والمتـــــاب
فقد كنت الصديق يزور غبًّا * وتزويه الأهلة والغيـــــــــاب
زمانك للنفوس ربيع روح * به في النور تتسع الرحــــــاب
كأن العام هاجرة وجدب * وأنت صبا المرابع والربــــــــاب
به تصفو القلوب على التجلي * وتسبح نحو خالقها الرغاب
على القرآن تنبلج الخفايا * فآذن النفوس لها انسيــــــــــاب
بقلبي منك يا رمضان برحٌ * فعيدي رغم فرحته اكتئـــــــاب
لقاؤك كالطيور المهاجرات * تمر وفي عزيمتك الذهـــــــاب

* ثم لنختم هذه الترجمة له رحمه الله بقصيدته التي كتبها بعد معرفته بمرضه الأخير وقبل دخوله لغرفة وقبل دخوله لغرفة العمليات لإجراء عمليته الأخيرة ، فنعى رحمه الله نفسه مسلماً ومؤمناً بما قدره ربه تعالى فقال :

تضاحك دار عند ميلاد قـــــــادم * نذير بكاء سوف يبعثه الفقـــــــــد
وإن عمرت دار تبسم معــــــول * وغازل من أحلام فرصته السهــد
تخادنا حلــوى الأمـــانى مثلمــــا * يهدهــد طفـــل إذ يهز به المهــــد
ويكسو بنا عين البصـــيرة برقع * فلولاه لم يقدم على عمــــل جهـــد
نصارع فوق الأرض أمر حيــاتنا * وللعيش بحر طبعه الجزر والمــد
وما نحن الا نبتـــــة موسميـــــة * وزرع سيطوي كل أطواره الحصد
وما عمر الأجيـــال إلا موحــــــد * إذا جف عمر جاء رافده بعــــــــــد
وما قصر الأعمار الا تحــــــــول * لأخرى لتحيا الأرض والعمر ممتـد
تذوب وقودًا للحياة نفوسنــــــــا * ومن منجم الأرحام يتصل الرفـــــــد
فلم أر إلا حكمة الزهد حيلـــــــة * ليخلص مـن أوجاع أطماعه عبــــد
وما الناس إلا عاملان فبعضنـــا * لبعض صديــق في سريرتــــه الحــد
وذاك شقي أنهك الكد جسمـــــه * وهذا سعيــــــد داؤه عيشه الرغـــــد
وليس رضياً في الحياة كلاهمـــا * ولكن فقر المرء يفضلـــــه الوجـــــد
يسيل لمعشوق الثراء لعابنـــــــا * ولم ندر أن السم يستره الشهــــــــــد
قضى الله للإنسان ماهو كائـــــن * ويغــــرم بالأحـــــلام ليس له حـــــــد
فقل لقوي اليوم ضعفك في غـــد * كما أن ضعف الأمس في غده الرغـــد
يقلب رب العرش أحوال ملكـــه * فليس لنا فيما قضى ربنـــــــــــــــــا رد
* فهذا البيت (يقلب رب العرش أحوال ملكـــه فليس لنا فيما قضى ربنــــا رد) هو آخر بيت قرضه آخر بيت قرضه الوالد الحكيم رحمه الله رحمة واسعة وجعله في الفردوس الأعلى ووالديه وزوجه وذريته والمسلمين أجمعين. والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبت هذه الترجمة في ليلتين انتهتا في صبيحة اليوم التاسع من شهر جمادى الثانية لسنة ثلاثين وأربعمائة وألف إجابة على أسئلة موجهة من طلاب بحث التخرج في كلية اللغة العربية تحت إشراف الدكتور إبراهيم المطوع جزاه الله خيراً. والحمد لله رب العالمين. ثم راجعتها وزدت عليها يسيراً.
كتبه : د.عصام بن عبد الله السناني

عضو جديد








* أفضل ما أعجبني من قصيدة أو بيت: من من أحسن ما أعجبني من روائع شعر الوالد رحمه الله ما قاله في قصيدة بعنوان "يقولون" وهي في مرض والدته رحمها الله والتي كان مطلعها :
يقولون كيف الحال ؟ قلت كعهدكم * وتكفي حال من صحب المرضى
حيث ختمها رحمه الله ببيتين من روائع الشعر فقال :
سنصدق لولا قسوة في قلوبنا * ونبصر إن ناب الزمان لنا عضــاً
وكم وعظتنا يوما بغيرنــــــــــا * وفي ذات يوم سوف تجعلنا وعظاً

* وكذلك ما جاء في قصيدته التي عنونها بـــــ "عرّج" ، والتي كان مطلعها :
عرج على أطلال يعرب * واذرف على عدنان واندب
فقد ختمها برائعة من روائع الشعر حين قال :
ليت القبـور رفـاتها * كالروض يلوي ثم يخصب
لتعود دولـة أمــة * غربت وما خلقت لتغـــــرب

* أما أحسن القصائد في نظري فهي قصيدته التي مضى طرفها في رد تحية أحد الشعراء العراقيين ممن الشعراء العراقيين ممن وفد إلى عنيزة فمدحها فرد عليه الوالد بقصيدة طويلة من عيون الشعر عارض بها قصيدته فقال في مطلعها :
حيتك نجد صباها أو ندى ماها * ورندها وعبير في خزاماهــــــا
واستقبلتك مهود الشعر باسمــة * كأن نــور أقاحيهــا ثنايـاهـــا

* وقصيدته في رثاء الشيخ سليمان بن عبد الله النعيم رحمه الله التي قال في أثنائها :
والموت في هذي الحياة بدايـــــــــة * ونهايـــة لبداية ما أقصـــــــــــــرا
نأسى على الموتى ونحن وراءهم * نطوي على جسر الحياة المعــبـــرا
نسهو ونلهوا بالحطـــام تهافتـــــــــاً * ومتى استهام القلب لن يتبصــــرا
لو زار زائـــرنا المقابــــــر واعيــاً * لأعاد تقييم الأمور وقــــــــــــــــدرا
جثث تمـــــــــور ثيابهــــــــا أكفانها * فـوق التــراب وأخــتها تحت الثرى
تنساق للأمــــل الخـــــدوع كأنمــــا * أخـذت بتمــديـــد الإقـــامة محضـرا

* ومن ذلك قصيدته التي قالها رحمه الله في مرض موته والتي مطلعها (ستأتي كاملة) :
تضاحك دار عند ميلاد قـــــــادم * نذير بكاء سوف يبعثه الفقـــــــد
وان عمرت دار تبسم معــــــول * وغازل من أحلام فرصته السهد

* وفاته رحمه الله ومرضه : كان عام (1406هـ) هو عام الحزن بالنسبة للوالد رحمه الله حيث فقد اثنين من أحب الناس إلى قلبه ، أحدهما والدته رحمها الله التي فقد معنى الحياة بموتها لولا بقائه داعياً لها كما قال في بعض شعره ، والثاني هو الشيخ سليمان بن عبد الله النعيم رحمه الله الذي مات قبلها بيسير وكان إماماً لمسجد حيِّ الفيحاء الأوسط وكان عابداً زاهداً محبوباً بين الناس ، فرثاه الوالد رحمه الله في قصيدة مطلعها :
آل النعيم مضى القضاء كما جرى * بفقيدكم حسب الرضـــا أن يؤجـــــــــــرا
ودعت فيـه مع الأحبـة عابــــــــداً * حــــــــق الزمـــــــــــــان بمثله أن يعذرا
حتى قال رحمه الله :
ولقـــد ألفــــت المـــوت في أمثـــــاله * وفقــدتهـــم واعتــــــدت أن أتـــــذكرا
أحببتـهم منـــــذ الطــفولــــة والصبا * ولـدى الكهـولة صـار وجدي أكبـــــــرا
فقـــد الرجـــال الصالــحين خسارة * فهم المعالـــم في الطـــريــــق لمن سرى
وحيــــــاتهم للمقتــــــدين سكـــــينة * فإذا مضــــوا وجــــم المكــــان وأقفــرا
تتضــاعف الحسرات فيمن ركبـــــه * عن شــــأو ركبـــهم المجلـــي قصـــــرا
غالــــبت دمـــــعي والفــــراق مرارة * لا لــــــــوم للمحـــــزون أن يســتعبــرا

* وبوفاة هاذين العزيزين على قلبه رحمه الله تغيرت حياته فاكتسى وجهه بمسحة حزن لا تفارقه ، وصار يفكر بالموت والاستعداد لآخرته بشكل أكبر ، وكان ذلك أحد أسباب تقديمه لتقاعده الذي لم يعش بعده إلا أحد عشر شهراً إذ أحس رحمه الله بشيء من الألم فراجع في مستشفى عنيزة العام القديم فترة ثمينة بلا طائل فأحالوه على المستشفى التخصصي ببريدة الذي وجهه سريعاً إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض ، وبعد الكشف عليه رحمه الله دخل عليه أحد الأطباء ممن نزعت الرحمة من قلبه فصدمه بأن أخبره بإصابته بمرض سرطان القالون وأنه منتشر ، ومع أن للموقف رهبة تلمحها في قسمات وجهه ذلك اليوم فقد تماسك رحمه الله فصبر عند الصدمة الأولى ــ ولله الحمد ــ فلم يقل إلا ما يرضي الرب عزوجل ، وعبّر ذلك في قصيدته التي قالها قبل خضوعه للعلاج الأول بالعمــــل الجراحي الذي قرره الأطباء لاستئصال الجزء المصاب والذي لم ينجح في وقف المرض ، فقرر الأطباء الانتقال للعلاج الكيمائي الذي استمر معه حتى قبل موته بقليل ولم يؤثر ولله الحمد في شعر رأسه أو لحيته التي كست عارضيه ، لكنها أبقت جسمه عظماً دون لحم ، وحين ذهبنا به في أول شهر محرم لموعده في المستشفى ، قال الطبيب : لا أمل له ، ولم يبق له إلا أياماً معدودة. فرجعنا به إلى عنيزة. وفي يوم الأربعاء التاسع عشر من محرم تأزم وضعه ودخل المستشفى وهو في غيبوبة كان يفيق منها مرات دون وعي كامل فيردد كلمة : "جت الصلاة ؟ أبصلي" فيبدأ في الصلاة ثم لا يكملهـــــا رحمه الله ، ولقد رأيت الطبيب قبل موته بيوم رحمه الله يغرز إبرة كبيرة الحجم جداً في رئتيه من جهة ظهره فيستخرج منهما سوائل كثيرة لأن المرض وصل إليهما فصعب عليه التنفس جداً ، حتى إذا كان في صباح يوم الجمعة الموافق للحادي والعشرين من شهر محرم سنة (1409هـ) في الساعة الثامنة وخمس وأربعين دقيقة أسلم روحه إلى بارئها ، فبادرنا بتغسيله وتكفينه ، وقدمناه للصلاة بعد صلاة الجمعة في الجامع الكبير بعنيزة ، فشيعه جمع كثير جداً من أهالي البلد ، وأثنوا عليه خيراً كثيراً مما أنطقهم الله به من خير والناس شهداء الله في الأرض فلله الحمد والمنة ، وكان رحمه الله قال لي قبل موته بخمسة أيام وقد أحس بدنو أجله : أرجو الله أن يجعل موتي في يوم جمعة ، فأعطاه ربه ما تمنى ، وجمع الله له من الأجور : أن مات بمرض البطن الذي من مات به مات شهيداً كما جاء في الحديث ، وأنه كان ولله الحمد صابراً على ما أبتلاه ، ثم مات في يوم فاضل صلى عليه جمع كبير في صلاة الجمعة أرجو الله أن يكون قد قبل شفاعتهم فيه وأوجب ثناءهم عليه. ومن فضل الله على الوالد رحمه الله أن الله أمهله ما يقارب سنة بعد معرفته بمرض موته ؛ لأن تأخير الأجل مع الإحساس بدنوه نعمة من الله على العبد الصابر خلافاً لموت الفجأة من وجهين : أحدهما : أن ذلك يكون تمحيصاً لذنوبه ورفعة لدرجاته ، وفي الحديث الذي رواه الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَــالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ ، حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ). الثاني : ليعيش لذة العبادة والتذلل والخضوع والاطراح بين يدي الخالق جل وعلا فيلقى الله وهو على حال يحبها الله له ، ولذا لمّا قال بعض الإخوة للوالد رحمه الله وهو يصلي القيام واقفاً في آخر رمضان أدركه ، أي قبل وفاته بأقل من أربعة أشهر وقد أنهكه المرض : لو صليت جالساً يا أبا سامي! فقال له رحمه الله : بل أصبر ، وما يدريني فلعله آخر رمضان أصليه ، وله رحمه الله قصيدة أظنها قبل مرضه بعنوان "وداعاً يارمضان" قال فيها رحمه الله :

بكيت على الفراق ولا أعاب * فلو حزني يخففه احتســـاب
فهل ألقاك يا رمضان حيّاً * وفي نفسي التنسك والمتـــــاب
فقد كنت الصديق يزور غبًّا * وتزويه الأهلة والغيـــــــــاب
زمانك للنفوس ربيع روح * به في النور تتسع الرحــــــاب
كأن العام هاجرة وجدب * وأنت صبا المرابع والربــــــــاب
به تصفو القلوب على التجلي * وتسبح نحو خالقها الرغاب
على القرآن تنبلج الخفايا * فآذن النفوس لها انسيــــــــــاب
بقلبي منك يا رمضان برحٌ * فعيدي رغم فرحته اكتئـــــــاب
لقاؤك كالطيور المهاجرات * تمر وفي عزيمتك الذهـــــــاب

* ثم لنختم هذه الترجمة له رحمه الله بقصيدته التي كتبها بعد معرفته بمرضه الأخير وقبل دخوله لغرفة وقبل دخوله لغرفة العمليات لإجراء عمليته الأخيرة ، فنعى رحمه الله نفسه مسلماً ومؤمناً بما قدره ربه تعالى فقال :

تضاحك دار عند ميلاد قـــــــادم * نذير بكاء سوف يبعثه الفقـــــــــد
وإن عمرت دار تبسم معــــــول * وغازل من أحلام فرصته السهــد
تخادنا حلــوى الأمـــانى مثلمــــا * يهدهــد طفـــل إذ يهز به المهــــد
ويكسو بنا عين البصـــيرة برقع * فلولاه لم يقدم على عمــــل جهـــد
نصارع فوق الأرض أمر حيــاتنا * وللعيش بحر طبعه الجزر والمــد
وما نحن الا نبتـــــة موسميـــــة * وزرع سيطوي كل أطواره الحصد
وما عمر الأجيـــال إلا موحــــــد * إذا جف عمر جاء رافده بعــــــــــد
وما قصر الأعمار الا تحــــــــول * لأخرى لتحيا الأرض والعمر ممتـد
تذوب وقودًا للحياة نفوسنــــــــا * ومن منجم الأرحام يتصل الرفـــــــد
فلم أر إلا حكمة الزهد حيلـــــــة * ليخلص مـن أوجاع أطماعه عبــــد
وما الناس إلا عاملان فبعضنـــا * لبعض صديــق في سريرتــــه الحــد
وذاك شقي أنهك الكد جسمـــــه * وهذا سعيــــــد داؤه عيشه الرغـــــد
وليس رضياً في الحياة كلاهمـــا * ولكن فقر المرء يفضلـــــه الوجـــــد
يسيل لمعشوق الثراء لعابنـــــــا * ولم ندر أن السم يستره الشهــــــــــد
قضى الله للإنسان ماهو كائـــــن * ويغــــرم بالأحـــــلام ليس له حـــــــد
فقل لقوي اليوم ضعفك في غـــد * كما أن ضعف الأمس في غده الرغـــد
يقلب رب العرش أحوال ملكـــه * فليس لنا فيما قضى ربنـــــــــــــــــا رد
* فهذا البيت (يقلب رب العرش أحوال ملكـــه فليس لنا فيما قضى ربنــــا رد) هو آخر بيت قرضه آخر بيت قرضه الوالد الحكيم رحمه الله رحمة واسعة وجعله في الفردوس الأعلى ووالديه وزوجه وذريته والمسلمين أجمعين. والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبت هذه الترجمة في ليلتين انتهتا في صبيحة اليوم التاسع من شهر جمادى الثانية لسنة ثلاثين وأربعمائة وألف إجابة على أسئلة موجهة من طلاب بحث التخرج في كلية اللغة العربية تحت إشراف الدكتور إبراهيم المطوع جزاه الله خيراً. والحمد لله رب العالمين. ثم راجعتها وزدت عليها يسيراً.
كتبه : د.عصام بن عبد الله السناني

hael1 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
hael1 غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 2009, 05:27 AM   [10]
عضو جديد







افتراضي

سأحاول بإذن الله بعد نهاية سيرة الجد للدكتور عصام حفظه الله وجزاه خير الجزاء بأن أنزل سيرة الراحل رحمه الله من كتب التراجم خاصة كتاب ابن إدريس "شعراء نجد المعاصرون" لاشتماله على بعض القصائد

عضو جديد







افتراضي

سأحاول بإذن الله بعد نهاية سيرة الجد للدكتور عصام حفظه الله وجزاه خير الجزاء بأن أنزل سيرة الراحل رحمه الله من كتب التراجم خاصة كتاب ابن إدريس "شعراء نجد المعاصرون" لاشتماله على بعض القصائد

hael1 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
hael1 غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
لأمير , من , الأدبية , المعاصر , الثاني , الحي , الجزء , السيرة , الشعر , عبد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أوسع ترجمة لشاعر عنيزة الكبير عبد الله الحمد السناني مع قصائد تنشر لأول مرة hael1 منتدى المواضيع العــــامة 16 2009 04:53 AM
الجزء الأول من السيرة الأدبية لأمير الشعر المعاصر الجد عبد الله الحمد السناني hael1 عبدالله بن حمد السناني 0 2009 06:42 PM
أوسع ترجمة لشاعر عنيزة الكبير عبد الله الحمد السناني مع قصائد تنشر لأول مرة hael1 جديد شعراء عنيــــزه 0 2009 03:55 AM
أبو حمد .. (الجزء الثاني) روح التميمي سليمان العليان 1 2008 02:14 AM
رثاء عبدالله الحمد السناني روح التميمي عبدالرحمن العبدالله الهقاص 0 2007 12:43 PM

الساعة الآن 01:27 PM
   
 
الساعة الآن 01:27 PM
Powered by vBulletin™ Version 4.1.9 Copyright © 2014 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
Des By YsOrI
الحقوق محفوظه لشعراء عنيزة 2004-2014
 

جميع المواضيع و الردود لا تعبر عن وجهة نظر ادارة المنتدى بل تعبر عن وجهة نظر كاتبها فعلى كل عضو تحمل مسئولية نفسة إتجاة مايقوم بة

شعراء عنيزة
www.3naizah.net